الصحف.. وشهرة المسابين
هشام محمد فقيري
الصراخ في أماكن الهدوء ليلفت الأنظار..
هذه هي الفكرة التي ما فَتِئَتْ تترنَّح في ذهن ذلك الكاتب بعدما قلَّب صفحات الجرائد والمجلات؛ لينظر لتلك المقالة وعدد قرائها، ولثانيةٍ كيف حصدت عدد مُعجبيها، ولثالثة لهاصدى وضجيج في واقع المجتمع.
الصراخ فكرة ناجحة.. في ذهن ذلك الصبي الذي يُريد حلوى، فمُنع منها!
صحفٌ وجرائدُ ومجلات لُطِّخت بحبرٍ أسود المعنى.. أسود المغزى.. أسود المَبصَر، عكَف أصحابُها على "نقد الشخصيات" بدلًا من "نقد الأفكار"، وشتْم الأفكار والسخرية منها بدلًا من مُناقشتها بميزان العلم والمنطق.
الصراخ زادُ مَن لا زادَ له، وبقَدرِ ما تَمتلك من حنجرة قوية تكون صرخاتك أكثر إثارة!
الشتْم مبدأ لا يتوارىخلفَه إلا من كان يحمل الحقد والحسد، وربَّما تلوَّث باضطرابات نفسية مَكبوتَة، وهوًى فاقدٍ للمَبادئ الإنسانية السوية.
الإنسان لا يلجأ للعنفِ اللفظيِّ إلا إذا غضب، وتكون مؤقَّتة، ثم تعودُ المياه لمجاريها، لكنَّ بعض كتاب الصحف اليوم وكأنهم خُلقوا من غضب وشرارةٍ من لهب، لا يعرفون الهدوء ولا النَّقد المتَّزن، وإنما ارتقوا على رؤوس الأشهاد بالمسابَّة والتراشُق بالسفه.
نحتاج كُتَّابًا أهل حِكمة، يكتبون بضمائرهم العاقلة قبل عواطفهم الجياشة، يَكتبون بصوت المجتمع قبل صوت الأنا، يَكتبون باسم الأفواه الصامتة، يَكتبون عن الحقائق المزيَّفة، يَكتُبون عن الأحياء الذين لم يَموتوا بعْدُ، وعن الأموات الذين لم يَسمعهم أحد، ويُخرجون رؤوسَهم مِن أعلى السقف، ويُبصرون الأرض التي لم يرها أحد.
المصدر...