قباطنة حانات الميناء (1)
أ. محمود توفيق حسين
هناك نوع من البشر يمكن تسميتهم "قباطنة حانات الميناء"، أي: الذين يدخلون الحانات التي في الموانئ، ويستطيعون أن يلفتوا انتباه الآخرين بعد قليل من دخولهم، وأن يكوِّنوا عندهم شعوراً بأهميتهم، وأنهم قباطنة رائعون، هذا من خلال الكلام فقط، حتى لو كان الواحد منهم مصابًا بدوار البحر.
وعلى النقيض من هذا النوع، فهناك الصامتون، المارُّون بهدوءٍ واحترام، وبغير بهرجة أو ادعاءات، الذين تجعلهم الأيام قباطنة عرض البحر، حيث تختبرهم شدائد الحياة فيثبتون فوق أمواج المواقف الصعبة، بما لديهم من إحساسٍ عالٍ بالمسؤولية، وقيمة (السعي) في الحياة الإنسانية. وهؤلاء لا يدخلون حانات الميناء أبدًا بعد العودة من الرحلات المَهولة ليثرثروا بها.
يحدث أحيانًا أن يتقدم للفتاة التي تبشر إمكانياتها من ناحية العقلانية والجدية والقدرة على الكدح بأنها (قبطان بحر)، يتقدم لها رجلٌ لبقٌ يجيد الكلام ودفع الحوار بعيدًا عن نواحي الضعف فيه، وهو يعرف كيف يروق للآخرين ويثير إعجابهم واطمئنانهم، أي أن العروس وأهلها أمام (قبطان ميناء) وهم لا يدرون.
(قبطان الميناء) أنواع من ناحية الخطورة، فمنهم من يمكن التعايش معه، لأنه حنون، ومتفهم، ويحاول التغيير، ويمكن له في أوقات معينة أن يضحي من أجل شريكته وأولاده بأي شيء نتيجة لشعوره بأوجاع الأسرة وخيبة أملها فيه؛ ولكن هناك على النقيض قبطان ميناء ممتلئ بالأنانية والغرور وضعف الشعور بالآخرين، تصير الحياة معه كارثية بسبب كذبه وخيانته وعقده النفسية وعدم استقراره وإدمانه للتخيل وضعف عزيمته الشديد.
قبطان الميناء في الغالب يختار لحظة رخاء في حياته ليتقدم فيها للفتاة بوجه لا يحمل الهموم، وهو قادر بلطفه وثقته بنفسه على أن يحفظ نفسه من الانكشاف أمام الناس، وقد تكون لحظة الرخاء هذه نادرة، وقد لا ترى الفتاة مثلها مرة أخرى طيلة الزواج، بسبب أن قبطان الميناء مهزوم دائمًا وأبدًا في الحياة العملية، وهو إما مستقيل من عمل أو مرفوت من آخر، أو يطارد مشاريع خاصة مستقلة لا يفهم فيها ويتكلم عنها بشكل شديد السطحية، وهو لا يستطيع البقاء في عمل لأكثر من سنة. ويداري كل هذا بحججه عن الكرامة أو الطموح.
لذا فإن مما يجب التوصية به هو الاطمئنان على حالة العريس مع الحياة العملية في الجملة، هذا لا يعني أن مجرد ترك رجل لعمل يكفي لاتهامه بضعف قدراته على مجابهة الحياة العملية، ولكن من الضروري، وبنفس أهمية السؤال عن الأسرة والأخلاق، استكشاف رسوخ قدميه النسبي في الحياة العملية، ليس لأن الأمر يتعرض فقط بالفقر، وأن الزوجة قد تسعى وتسد عنه وتثبت أنها (قبطان بحر) - ففي حالات كثيرة تجد المرأة التي وعدها زوجها في الخطوبة بالرحلات والحرير والذهب، تجد نفسها تسعى للعمل وهو جالس في البيت يعد بضربة سعيدة ستغير حالهم - بل لأن الزوجة ستعاني بجانب الفقر من الآثار السلبية للتخبط الشديد في الحياة العملية على زوجها، ذلك التخبط الذي يورثه تشوهات شديدة يكون الكذب والخيانة والتحامل بعض مظاهرها.
المصدر...