الْحَمْدُ للهِ الْهَادِي مَنْ اسْتَهْدَاهُ سُبُلَ الْخَيْرَاتِ . وَالْوَاقِي مَنْ اتَّقَاهُ الْخَطَايَا وَالزَّلاتِ .
وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ الأَتَمَّانِ الأَكْمَلانِ عَلَى مُحَمَّدٍ الْحَاضِّ عَلَى اغْتِفَارِ الْهَنَّاتِ .
وَإِقَالَةِ عَثَرَاتِ ذَوِي الْهَيْئَاتِ . وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ وَصَحْبِهِ ذَوِي الْمَكْرُمَاتِ .
وَبَعْدُ ..
فَهَذَا مَنْهَجُ أَبِي حَاتِمٍ فِيمَنْ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلاَّ وَاحِدٌ، وَلَمْ يُعْلَمْ عَنْهُ جَرْحٌ، لا يَجْسُرُ عَلَى جَرْحِهِ، وَلا طَرْحِ حَدِيثِهِ لِمُجَرَّدِ جَهَالَتِهِ، حَتَّى يَخْتَبِرَ حَدِيثَهُ، وَيَعْتِبَرَهُ بِمِيزَانَيْ الصَّدْقِ وَالضَّبْطِ، وَهُمَا الْمِعْيَارَانِ اللَّذَانِ لا يُخْطِئَانِ.
وَقَدْ صَدَقَ مَنْ قَالَ وَاصِفًا مَنْهَجَ مَنْ عَلَى شَاكِلَتِهِ مِنَ الأَئِمَّةِ: «وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جُلَّ اعْتِمَادِهِمْ فِي التَّوْثِيقِ وَالْجَرْحِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى سَبْرِ حَدِيثِ الرَّاوِي، فَإِذَا تَتَّبَعَ أَحَدُهُمْ أَحَادِيثَ الرَّاوِي، فَوَجَدَهَا مُسْتَقِيمَةً تَدُلُّ عَلَى صِدْقٍ وَضَبْطٍ، وَلَمْ يَبْلُغْهُ عَنْهُ مَا يُوجِبُ طَعْنًا فِي دِينِهِ وَثَّقَهُ».
فَمَنْ ثَقُلَ مِيزَانُهُ، وَصَدَقَ لِسَانُهُ مِنَ الْمَجَاهِيلِ، رَضِيَهُ أبُو حَاتِمٍ وَوَثَّقَهُ، وَقَالَ: حَدِيثُهُ مُسْتَقِيمٌ، أَوْ يَدُلُّ عَلَى الصَّدْقِ، أَوْ مُقَارِبٌ لِحَدِيثِ الثِّقَاتِ، أو لا أَرَى بِحَدِيثِهِ بَأْسًا، أو صَالِحُ الْحَدِيثِ، أو مُسْتَقِيمُ الْحَدِيثِ. فَهَذّا الصِّنْفُ الأَوَّلُ مِنَ الْمَجَاهِيلِ.
وَمَنْ خَفَّ مِيزَانُهُ، وَفَضَحَهُ بَيَانُهُ مِنَ الْمَجَاهِيلِ، فَبَان فِي حَدِيثِهِ الْكَذِبُ أَوْ النَّكَارَةُ أَوْ الضَّعْفُ، فَذَاكَ الَّذِي يَقُولُ عَنْهُ: مَجْهُولٌ ذَاهِبُ الْحَدِيثِ، أَوْ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، أَوُ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ، أَوْ حَدِيثُهُ بَاطِلُ، أو لا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ، أَوْ لا يُشْتَغَلُ بِهِ. فَهَذّا الصِّنْفُ الثَّانِي مِنَ الْمَجَاهِيلِ.
وَأَمَّا مَنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ حَالُهُ، وَلَمْ بَسْتَدِلَّ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِهِ وَأَقْوَالِهِ، فَذَاكَ الَّذِي يَقُولُ عَنْهُ: مَجْهُولٌ، أو مَجْهُولٌ لا أَعْرِفُهُ، أوْ مَجْهُولٌ لا أَرْوِى عَنْهُ. وَهَذَا الصِّنْفُ مِنَ الْمَجَاهِيلِ هُوَ الَّذِي يُضَعِّفُ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَحَادِيثَهُمْ بِلا دَلِيلٍ، وَلا بُرْهَانٍ.
وَقِيَاسًا عَلَى مَا تَقَرَّرَ مِنْ تَقْسِيمِ أَبِي حَاتِمٍ لِلْمَجَاهِيلِ إِلَى الثَّلاثَةِ الأَقْسَامِ السَّالِفَةِ الذِّكْرِ، فَلَيْسَ كُلُّ مَجْهُولٍ ضَعِيفٌ لا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ، وَلا يَجُوزُ لأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ فِي الْحُكْمِ عَلَى حَدِيثٍ رَوَاهُ مَجْهُولٌ: هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ فِيهِ فُلانٌ، قَالَ عَنْهُ أَبُو حَاتِمٍ: مَجْهُولٌ!؛ وَذَلِكَ لِمَا بَانَ آنِفًا أَنَّ لَيْسَ لِلْمَجْهُولِ عِنْدَهُ حُكْمٌ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا هِيَ ثَلاثَةُ أَحْكَامٍ لِثَلاثَةِ أَقْسَامٍ.
يُتْبَعُ إنْ شَاءَ اللهُ تعَالَى .......
المصدر...