الكابتن جاك سبارو والكابتن بارباروسا: العهد الذهبي للجهاد البحري في البحر المتوسط
عدنان لديغبي
تصدح هوليوود بالعديد من الأفلام الضخمة، التي تناولت شخصياتٍ أسطوريةً مشهورة، وعلى عكس ما يعتقد الناس فأغلب الشخصيات الأسطورية في الأفلام السينمائية تعود في الأساس إلى شخصيات حقيقية، تركت تأثيرًا كبيرًا في التاريخ الإنساني، وتُعدُّ سلسلة أفلام "قراصنة الكاريبي" من أشهر الأفلام التي قامت بإعادة الحديث عن العهد الذهبي للجهاد البحري تحت قيادة الأمير الجزائري بارباروسا والأمير جاك سبارو، ويذكر المؤرخون المغاربة أن حركة القرصنة المغاربية جاءت كحركة شعبية تحرُّرية، مضادة لحركة الاستعمار الأوروبي لبلدان المغرب العربيِّ في القرنَيْنِ السادس عشر والسابع عشر.
وتعود الأحداث في الأساس إلى هزيمة الموحِّدين المغاربة في معركة "العقاب" الشهيرة في الأندلس ضد التحالف الأوروبي الضخم بقيادة إسبانيا، والبرتغال، وفرنسا، حيث أدَّتِ الهزيمة الثقيلة للموحدين أمام الأوروبيِّين إلى انحلال الدولة الموحدية تدريجيًّا، مما انعكس سلبًا على تماسك الإمبراطورية الموحدية، وظهرت تدريجيًّا دُوَيْلات مستقلة في تونس والجزائر، والأندلس وشرق المغرب.
لكن الإسبان - في محاولة منهم لنقل المعارك إلى الساحل المغاربي - قاموا باحتلال السواحل التونسية والجزائرية، مستفيدين من ضعف الجزائر وتونس، وهنا ظهر المجاهد البَحَريُّ عروج، الذي عُرِف لدى الأوروبيِّين بلقب الكابتن بارباروسا، وأصل هذه التسمية هو أن عروج كان قد اشتهر في غرب البحر الأبيض المتوسط بعد إنقاذه الآلاف من الأندلسيِّين من الاضطهاد الإسباني، فصار الأندلسيُّون يسمونه: بابا عروج، أو "بابا اروتس"؛ تقديرًا له لخدماته الجليلة لهم، فحرَّف الإيطاليون ذلك اللقب إلى بارباروسا، الذي يعني: ذا اللحية الحمراء.
وقد اتَّخذ عروج من جزيرة جربة التونسيَّة مركزًا للجهاد البحري ضد الاستعمار الإسباني، فقام بتحرير السواحل التونسية والجزائرية من الاحتلال الإسباني، واستطاع بعد ذلك تأسيس دُوَيْلة مستقلة عن الاحتلال الإسباني في شمال الجزائر، ثم أعلن ولاءه للعثمانيِّين في إسطنبول، وهذا ما هدَّد المصالح الاستعمارية الإسبانية، فقامت هذه الأخيرة بالتوغُّل في الجزائر، والاستيلاء على تلمسان؛ مما مكَّنها من أَسْر عروج، ثم إعدامه لاحقًا.
وبعد استشهاد عروج صار خير الدين بارباروسا خلفًا لأخيه في حكم الجزائر في سنة (1518م)، فكان عليه مجابهةُ الاحتلال الإسباني للسواحل الجزائرية، فما كان منه إلا أن بدأ حركة الجهاد البحري من جديد في البحر المتوسط، واستطاع خلال سنوات قليلة تحريرَ كلِّ السواحل الجزائرية من الاحتلال الإسباني، وقد شعرت الممالك الأوربية برعب شديد من الغارات التي كان يشنُّها خير الدين بارباروسا على سواحلها وجُزرها وسفنها، خصوصًا أنه استطاع القيام بمَهمة مستحيلة، تمثَّلت في إنقاذ وتحرير أكثر من سبعين ألفَ أندلسيٍّ داخل إسبانيا، التي كانت تعتبر أقوى مملكة أوروبية في ذلك الوقت.
وبفعل غاراته المتلاحقة على السواحل الأوروبية؛ عقَدَت الممالك الأوروبية حلفًا صليبيًّا للقضاء على خير الدين بارباروسا، فقام حلف مكوَّنٌ من إسبانيا والبرتغال والبندقية والقوات الباباوية بمواجهة الأسطول العثماني بقيادة برباروسا في معركة "بروزة" البحرية، التي انتهت بانتصار ساحقٍ للأسطول العثماني، وسيطرته بشكل كامل لأكثر من ثلاثين سنةً بعد المعركة على البحر الأبيض المتوسط.
أما بالانتقال إلى شخصية القبطان جاك سبارو الشهيرة في سلسلة "قراصنة الكاريبي" التي جسَّدها النجم الأمريكي جوني ديب، فالحقيقة أن هذه الشخصية تعود أيضًا إلى أحد القراصنة المسلمين المشهورين في القرن السادس عشر، ويُدعَى جاك سبارو أو "جاك عصفور" وقد سُمِّي بهذا الاسم؛ لأنه كان مهووسًا بالطيور الصغيرة خلال فترة وجوده في تونس، وسمَّاه السكان المحليُّون بـ: جاك عصفور، وترجمها الأوروبيُّونإلى "سبارو" أو "بيردي"، وبدأ جاك بيردي عمله كقرصان تابع للبحرية الملكية البريطانية إبان الحروب البحرية الطويلة بين الأسطول الإسباني والأسطول الإنجليزي، وبعد نهاية الحرب بين البلدين استمرَّ جاك في القرصنة في البحار لكن بدون ترخيص من بريطانيا، وهو ما جعله مطلوبًا للعدالة في بلده الأم بريطانيا، بعد ذلك قام جاك باللجوء إلى تونسالتي كانت تابعةً للعثمانيين في ذلك الوقت، واعتنق الإسلام هو وكلُّ طاقم سفينته، وباعتناقه الإسلام قام جاك بتغيير اسمه إلى "يوسف ريس" وتزوَّج من فتاة كانت قد اعتنقت الإسلام، وكان اسمها ياسمين الصقلية.
وقد كان معروفًا عن جاك أو يوسف أنه كان سكِّيرًا، ولكنه امتنع عن شرب الخمر تمامًا بعد اعتناقه الإسلام، وقد مكَّنه موقع تونس الإستراتيجي كقاعدة لعملياته البحرية من القيام بدور بارز في إنقاذ الآلاف من المسلمين واليهود الهاربين من بطش محاكم التفتيش الإسبانية، التي كانت تُجبِرُهم على التنصُّر، وساعد في نقلهم من إسبانيا إلى السواحل المغربية والتونسية بعد أن تمَّ طردُهم من الأندلس في القرن السادس عشر، ويذكر أنه قد شارك مع القراصنة المغاربة في حملات بحرية كثيرة من أجل إنقاذ الأندلسيِّين من محاكم التفتيش، وكان يستخدم جمهورية أبي رقراقفي مدينة "سلا" المغربية كقاعدة متقدِّمة لحملاته البحرية في المحيط الأطلسي.
وقد اعتبر البريطانيُّون اعتناقَ جاك سبارو للإسلام ضربةً كبيرة للمملكة البريطانية؛ إذ انتقدته النخبة الإنجليزية طويلاً، وتم نعتُه في الأعمال الأدبية بـ: "المعتنق لدين العرب" وقد أقيمت مسرحية مشهورة في القرن السابع عشر تحت اسم "مسيحي إلى التركية" تنتقد فيها خطوة جاك سبارو بالانضمام إلى صفوف العثمانيين في الحرب ضد الأوروبيين، وهو ما يصف حالةَ الذُّعر التي سادت الدول الأوروبية بعد انضمام جاك إلى الأسطول العثماني؛ نظرًا لما سبَّبه لهم من خسائر باهظة؛ جرَّاء حملاته البحرية على الأساطيل الأوروبية.
وقد أسهم جاك سبارو مع القراصنة المغاربة كإبراهيم بركاش في تدمير عمليات الملاحة الأوروبية في عهد السعديِّين، وكان عدد كبير من الأوروبيين قد اعتنقوا الإسلام، وأسَّسوا حركة "المتمردين" وانضموا إلى الحركةِ الجهاديةللقراصنة العرب في جنوب البحر المتوسط، وكانت جمهورية أبي رقراقفي مدينة "سلا"المركز الرئيس لتجمُّع القراصنة المشهورين في العالم في ذلك الوقت، حيث كانت تحظَى بحكم ذاتي بعيدًا عن السلطة السعدية بالمغرب،ولكنها منحَت المغرب والجزائر هيبةً دولية كبيرة، وجعلت أقوى بلدان العالم تحاول أن تعقِدَ معهما اتفاقيات سِلْمٍ أو صداقة، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية نفسُها تؤدي جزيةً سنوية للقراصنة المغاربة والعثمانيين؛ من أجل عدم التعرُّض لمراكبها.
المصدر...