الحمد لله ربّ العالمين ,والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين أما بعد:
فلا شك أن الباعث على الاحتفال بالمولد النبوي هو تعظيم النبيّ صلى الله عليه و سلم ,و فيه إظهار ما تكنّه القلوب من الحبّ لنبيّ صلى الله عليه و سلم ,وأول من احتفل بالمولد هم الفاطميون في القرن الخامس بمصر و المغرب. ولا شك أنّ الفاطميون وهم العبيديون ضلال ,ومن العلماء من أخرجهم من ملّة الإسلام كالحافظ ابن كثير في كتابه البداية و النهاية. و انتسابهم إلى فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم هو انتساب باطل فنسبهم ليس من أهل البيت ,وكان قدوتهم في ذلك النصارى الذين ابتكروا الاحتفال بميلاد عيسى بن مريم عليه السلام.
وليلة مولد النبيّ صلى الله عليه وسلم ليست معلومة يقينًا ,ولم يأتي فيها خبر صحيح ,و الأقوال التي جاءت في ذلك متضاربة فقيل أنه ولد في شهر رمضان ,وهو قول الزبير بن بكار ,و قيل في رجب ,و قيل في ربيع الأول ,والقائلون بهذا القول اختلفوا في اليوم الذي ولد فيه من هذا الشهر فقال بعضهم في اليوم الثاني منه ,وقيل الثامن ,وقيل العاشر ,وقيل الثاني عشر ,وقيل في السابع عشر ,وقيل في الثامن عشر ,وقيل في الثاني والعشرين. وكل هذه الأقوال ليس لها دليل يعتدّ به ,واختار الفاطميون يوم الثاني عشر ,وهو اليوم الذي توفي فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم ,ومن المعاصرين من حقق أنّ الليلة كانت التاسع من ربيع الأول وليست ليلة الثاني عشر منه ,وابن إسحاق إمام أهل السير رحمه الله لم يذكر تاريخ ولادته صلى الله عليه وسلم إلا ما رواه عن قيس بن مخرمة أنه قال ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل.
واليوم الذي توفي فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم مقطوع يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول ,وهو قول عامة أهل العلم فهو يوم حزن وبكاء على المصيبة وليس العكس. وروى الطبراني بسند صحيح في المعجم الكبير أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال "إذا أصيب أحدكم بمصيبة فاليذكر مصيبته فيّ ,فإنها أعظم المصائب".
ولو كان يوم ولادة النبيّ صلى الله عليه وسلم يعني لصحابة شيئاً كبيرًا لسألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ هم أحرص النّاس على فعل الطاعات ,وما من خير إلا وقد دلّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أمته عليه ,والنبيّ صلى الله عليه وسلم قد بلّغ الرسالة ,ولم يترك شيئًا مكتوما قال تعالى "اليوم أكملت لكم دينكم" الآية. ولم يرشد النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى هذا الاحتفال مع أنّ السبب كان متوفرًا ومتاحًا بل تركه النبيّ صلى الله عليه وسلم والخلفاء الأربعة من بعده وسائر أهل القرون الثلاثة المفضلة ,ولهذا لم يُنقل قول عن الأئمة الأربعة في حكم الاحتفال بهذا اليوم.
والقول أنّ من لم يحتفل بعيد الميلاد فيه نقص من محبة النبي صلى الله عليه وسلم هو تحريف ظاهر لمعاني المحبة قال سبحانه "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله" الآية. والمحاولة المستميتة في إثبات العيد النبوي عن طريق تأويل النصوص ولي معاني الكلام لا ينفع ,وحجج هذا الفريق أوهى من بيت العنكبوت ,وأهل العلم مجمعون على أنه أمر محدث وليس بمندوب لأنّ الندب كما قال أهل العلم هو ما طلبه الشرع من غير دم على تركه.
وقد حكم ببدعيته الشيخ محمد المطيعي رحمه الله مفتي الديار المصرية سابقًا ,وذكر أنه من محدثات الفاطميون ,وأنكره أيضا عبد الرحمن الفقيه ,ومحمد بشير الهندي ,ويوسف الرفاعي ,ومُلا علي قاري في كتابه " المورد الروي في المولد النبوي" ومن علماء المالكية الفاكهاني في كتابه " المورد في عمل المولد" ,وأبو إسحاق الشاطبي ,وابن الحاج ,ومحمد عليش وهو من علماء الأزهر عندما كان مُزهر ,والشيخ البناني والأستاد أبو عبد الله الحفّار. ولا يغرنّك أخي الكريم أنّ الاحتفال بالمولد يفعله جلّ النّاس ,ويرى به بعض المشايخ فليس للمؤمن أن يرضي عامة النّاس على حساب دينه.
ودع عنك آراء الرجال وقولهم
فقول رسول الله أزكى وأشرح
ولا يجوز لنا أن نبتكر أعيادًا جديدة كالاحتفال بليلة الإسراء ,ويوم الهجرة ,ويوم الفتح ,ويوم بدر فالوقائع العظيمة ,و الأحداث الشريفة لا تشرّع الأعياد وإنما تُشرّع الأعياد على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. لأنّ العيد عبادة والأصل في العبادات التوقف والإتباع بخلاف العادات ,ونحن مطالبون بأن نتقرب إلى الله بما شرع لا بالبدع.
ولو نظرت إلى حال أهل المناطق التي يقام فيها الاحتفال بالمولد وقارنته بحالهم يوم عيد الفطر وعيد الأضحى لوجدتهم يفرحون بالمولد أكثر من الأعياد المشروعة فترى نسائهم في الأعياد المبتدعة يضربن الدفوف ,وأطفالهم يلعبون ,وأبواب بيوتهم مفتّحة لكل أحد ,وتقام الحفلات ,ويلعبون بالبارود ,وهذا لا تكاد تراه منهم في العيدين وكما قيل " ما أحييت بدعة إلا وأميتت سُنّة " ولو أنفقوا تلك الأموال في إعانة المحتاجين و إخواننا السوريون الذين شُرّدوا من ديارهم لكان فيه خيرًا كثيرا والله المستعان وعليه التكلان.
المصدر...