قصة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين مع مؤذن مسجده (شيبة)
الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:
"فإن في معرفة أخلاق العلماء ومعرفة سيرهم مكسب كبير، وتجارة رابحة لطالب العلم، فإذا قرأ طالب العلم تراجم أولئك الأئمة الأعلام ازداد بصيرة وتنوراً في سلوك طريقه، وفي المقابل يعلم مكامن النقص والخلل في ذاته وسيرته".
"وقد درج العلماء على تقييد أخبار الرجال وذكر آثارهم ومآثرهم وتنزيلهم مراتبهم في العلم والعمل، فأوعبت أمة الإسلام في التأليف في هذا الفن إيعاباً، فصنف العلماء آلاف التراجم والسير مفردة ومجموعة، مطولة ومختصرة".
لذلك أحببت ذكر موقف واحد! من سيرة البحر الغزير العلامة الشيخ محمد بن عثيمين، العالم النحرير، والمعلم المربي، "وقد تكلم الكثيرون وكتبوا عن سماحته ما بين مقل ومستكثر، ولا تزال الأقلام مستمرة في تدوين سيرته العطرة، واستخراج الدروس والعبر منها" فلهذا الموقف دروس وعبر، وتأملات وعبرات لمن تأمل حق تأمله،
وقبل كتابتي لهذا الموقف هنا بحثت عنه في (النت) علي أجد من ذكره قبلي فلم أجد، لذلك عزمت على كتابته وتقييده، فأقول:
ذكر لنا شيخنا الشيخ عبد الحكيم بن عبد الله رباع الشحي –حفظه الله- غير ما مرة قصة حول زيارته لجامع الشيخ ابن عثيمين قبل ما يزيد عن 10 سنوات للقاء أحد طلبة الشيخ، فلما وصل إلى الجامع قبيل أذان الظهر لقى شيخاً كبيراً في السن وسأله عن المكان، فأكده أنه في المكان المطلوب وقال له: (أنا شيبة مؤذن الشيخ ابن عثيمين وهذا جامع الشيخ صلي عندنا وسيصلي الشخص الذي تريده وتلتقي به بعد الصلاة) أو كما قال، بعدها قام (شيبة) وأذن لأذان الظهر، وبعد الأذان قام وجلس على زاوية المسجد على الكرسي وسحب إليه حامل المصحف وفيه مصحف من الحجم الكبير! ثم لبس نظارة فيها عدسات مكبرة –إن صح التعبير-! ثم أدخل يده في جيبه وأخرج مكبراً آخر! حتى يقرأ القرآن!! -فيا الله ياله من موقف تقشعر منه الأبدان حينما تدرك أنك في نعمة وعافية وصحة وسلامة وغيرك محروم منها أو حرم نفسه منها فاللهم أدم علينا النعمة وقربنا إليك ولا تبعدنا عنك- ، بعد الصلاة توجّه شيخنا إلى (شيبة) ليتحدث إليه، فقال له: بما أنك مؤذن الشيخ ابن عثيمين –رحمه الله- وصاحبت الشيخ كثيراً فمن المؤكد أنك تملك مواقفاً من الشيخ لم تسطرها الكتب ولم تنقلها الأفواه بعد، فحدثنا عن الشيخ؛ فقال: "في أحد الأيام كان عند الشيخ محاضرة في أحد المحافظات القريبة فأخبرني الشيخ ابن عثيمين أن أبلغ الطلبة بأنه لا يوجد درس اليوم –وكان درس زاد المستقنع-فذهب الشيخ إلى المحاضرة وانتهى مبكراً وعاد مبكراً فدخل المسجد وقال: يا شيبة أعلن عن بدء الدرس، فقال له شيبة: (يا شيخ والله أنك تعبان وجاي من سفر وأنا أعلنت عن عدم وجود درس فارتاح اليوم مع أم عبد الله)، فقال الشيخ بنبرة حادة: (يا شيبة أعلن عن بدء الدرس، راحتي في الدرس)، فأعاد شيبة مقالته، فقال الشيخ: (يا شيبة أعلن عن بدء الدرس وإلا درّست الجدار!)، فقال شيبة مازحاً: (لا، لا تدرس الجدار أنا موجود!)، فبدء الدرس ولم يكن في المسجد أحد، فما مرّت 7 دقائق إلا والمسجد ممتلئ –وذلك لأن سكن الطلاب قريب من الجامع-"
انتهى كلام شيبة، والعهدة على شيخنا عبد الحكيم رباع الشحي –حفظه الله- فهو من نقل الموقف بالسند العالي عنه، والحوار نقلته بالمعنى كما سمعته من شيخنا.
فهذا يدل: على قول القائل "راحة طالب العلم بالعلم"، فاللهم ارحم الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين، وبارك له في علمه، وانفعه بعمله وعلمه الذي خلفه، والله المستعان، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أبو عبد الرحمن محمد بن عبيد الشحي
17 من جمادى الآخرة 1439هـ
5-3-2018 م
المصدر...