الحمد لله ربنا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد:
يَكْثُرُ الكلام بين العوام في هذه الأيام عن شهر رجب الحرام وفضائله واستحباب صيامه وغير ذلك من العبادات العِظام، والحق أنه لم يرد قط في صيام شهر رجب كله أو بعضه أو يوم بعينه أو قيام ليلة بعينها أو صلاة معينة أو دعاء معين أو تخصيص عبادة لها فضل فيه عن غيره من الأشهر، وكل ما ورد في ذلك من الأحاديث لا تَخْرُجُ عن كونها موضوعة مخترعة مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ضعيفة لا تقوم بها حجة ولا يُسلَّمُ بصحتها بحال من الأحوال، ولا يُقال أبدا إن هذه الأحاديث الضعيفة الواردة في رجب من فضائل الأعمال ويُتساهل فيها، هذا قول باطل لأنه إن سلمنا بجواز رواية الحديث في فضائل الأعمال فالأحاديث التي وردت في فضل الشهر كلها لا تنطبق عليها شروط رواية الحديث في فضائل الأعمال بحال من الأحوال، وممن جزم بعدم صحة حديث يَخُصُّ شهر رجب عن غيره الحافظ ابن حجر وله رسالة ماتعة في ذلك اسمها: " تبيين العجب بما ورد فى فضل رجب "، وجزم بذلك شيخنا وشيخ شيوخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى وغيرهما من الأئمة، ومن أشهر الأحاديث الضعيفة المشهورة قول: " اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان " رواه الطبراني والبيهقي وغيرهما، وضعّفه النووي وابن رجب والحافظ ابن حجر والسيوطي وأحمد شاكر وشيخنا عبد الكريم الخضير،
ومن أقبح البدع والضلالات المشهورة في شهر رجب صلاة أطلق عليها المبتدعة الجهال: " صلاة الرغائب " وخصصوها بأول جمعة من رجب، وأُحدثت بعد المئة الرابعة في الشام، وهي بدعة قبيحة مذمومة لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه وهي بدعة منكرة باطلة لا يقول بصحتها إلا من حُرِمَ الفَهم والعلم والبصيرة،
لذا لا يجوز لمسلم تخصيص هذا الشهر بأي عبادة مخصوصة وهو كغيره من الأشهر وإلا كان ممن أحدث في دين الله ما ليس فيه وكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وادَّعى أنه أفضل منه وأفضل من صحابته رضي الله عنهم الذين هم أعلام الدين وقدوة المؤمنين، أسأل الله أن يوفقنا للإجابة والاتباع وأن يجنبنا الزيغ والابتداع وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتبه
غفران عثمان
ظُهْرَ التاسع والعشرين من جُمادى الآخرة سنةَ تسع وثلاثين وأربعمئة وألف
الإسكندرية - مصر
المصدر...