![]() |
![]() |
آخر مواضيع المنتدى |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#1 | |
|
مدير ومالك المنتديان
![]() |
مقاومة العدوان: دروس من زمن الصليبيين سمير بن محمد الهادي حمدي لم يَكن الاحتلال الأجنبي للأراضي العربية الإسلامية ظاهرةً جديدة، وإن كانت ظاهرةً زائلة، فقد تعرَّضت المنطقة دومًا لمحاولات الغزو والاحتلال والتهجير، وما جرى ويَجري في فلسطين وفي مناطق أخرى كثيرة ليس إلا حلقةً من سلسلة متواصلة من حملات الإخضاع قامت بها جهات استعمارية مختلفة، وفي عهود مُتفاوتة، فمنذ الغزو الصليبي والمغولي، وصولاً إلى الحملات الاستعمارية الحديثة، لم تتوقف جرائمُ الاحتلال، وفي المقابل لم تهدأ المقاومة، ولم تركَن للقُوى الغازية، لقد خسر المسلمون معاركَ كثيرة، ولكنهم في النهاية لم يخسروا الحرب، والعجيب أن أجدادنا لم يُعلنوا يومًا استسلامَهم، ولا أعلنوا في لحظة مِن اللحظات أن الغازي الذي احتل الأرض سنين قد تصل إلى أكثر من قرنين قد اكتسب شرعية البقاء فيها، ولم يبحثوا سبُل تَطبيع أوضاعهم معه مثلما يفعل بعض حكام المنطقة اليوم، بل ظلَّ المبدأ الأساس يقوم على فكرة استمرار جذوة المقاومة؛ ففي فترة الغزو الصليبي مثلاً، الذي استمر لأكثر من قرنين، ورغم خيانات بعض الحكام والسلاطين، ظل الناس يعتقدون دومًا أن وجود هذا العدو مؤقت وزائل، صحيح أنهم لم يرفعوا السلاح ويَخوضوا المعارك طوال الوقت، بل عاشوا مع العدو فترات طوالاً في هدنة، تعقبها حرب، تليها هدنة، إلى حين لحظة الحرب الحاسمة التي أزالت ورم الاحتلال الخبيث عن جسد الأرض العربية المسلمة. شروط التعامل مع المحتل: رغم حدة الاحتلال الصليبي وانتشاره في بعض الفترات ظل التعامل مع الآخر المحتلِّ بوصفه عدوًّا كافرًا، ولم يتمَّ تغيير صفته هذه مهما كان ضغْطُ الواقع أو تقدُّم الخصْم في معاركه أو تحقيقه لانتصارات، ولهذا كلما عقدوا معه اتفاقًا سموه "هدنة" (وليس اتفاق سلام كما يسميه البعض اليوم)، وهذه الاتفاقيات صاغوها في قوالب ووضَعوا لها شروطًا، يُورد بعضها القلقشندي في كتابه "صبح الأعشى" فيقول: "وهي أربعة شروط: الأول: في العاقد، ويختلف الحال فيه باختلاف المعقود عليه، فإن كان المَعقود عليه إقليمًا كالهند والروم ونحوِهما، أو مُهادنة الكفار مطلقًا، فلا يصح العقد فيه إلا من الإمام الأعظم أو مِن نائبه العام المفوَّض إليه التحدث في جميع أمور المملكة، وإن كان على بعض القرى والأطراف فلآحاد الولاة المُجاوِرين لهم عقد الصلح معه. الثاني: أن يكون في ذلك مصلحة للمسلمين؛ بأن يكون في المسلمين ضعفٌ، أو في المال قلة، أو توقُّع إسلامهم بسبب اختلاطهم بالمسلمين، أو طمع في قَبولهم الجزية من غير قتال وإنفاق مال، فإن لم تكن مصلحة، فلا يُهادَنون؛ بل يُقاتَلون حتى يُسلموا أو يؤدُّوا الجزية إن كانوا من أهلها. الثالث: ألا يكون في العقد شرط يأباه الإسلام؛ كما لو شرط أن يُترك بأيديهم مالُ مسلم، أو أن يردَّ عليهم أسيرٌ مُسلم انفلَت منهم، أو شُرط لهم على المسلمين مالٌ مِن غير خوف على المسلمين، أو شرط ردِّ مسلمة إليهم، فلا يصح العقد مع شيء من ذلك؛ بخلاف ما لو شرط رد الرجل المسلم أو المرأة الكافرة (...). الرابع: ألا تزيد مدة الهدنة عن أربعة أشهر عند قوة المسلمين وأَمنِهم، ولا يجوز أن تبلغ سنة بحالٍ، وفيما دون سنة وفوق أربعة أشهر قولان للشافعي رضي الله عنه، أصحُّهما: أنه لا يجوز، أما إذا كان في المسلمين ضعف وهناك خوف، فإنه تَجوز المهادنة إلى عشر سنين.."[1]. ويُورِد القلقشنديُّ في كتابه صيغًا كثيرة لنصوص مهادنات وقعت بين المسلمين وغيرهم من "الكفار"، تكشف عن التزام المسلمين بالشروط التي ذَكرَها، ومنها النص الوارد في بداية اتفاقية الهدنة بين الظاهر بيبرس وجماعة الفرسان "الاسبتارية"؛ حيث ورد فيها: "استقرت الهدنة المباركة المَيمونة بين مولانا السلطان الملك الظاهر ركن الدين أبي الفتح بيبرس الصالحي النَّجمي، وبين المقدَّم الكبير الهُمام فلان مقدم بيت الاسبتار الفلاني بعكا والبلاد الساحلية، وبين فلان مقدم حصن الأكراد، وبين فلان مقدَّم حصن المرقب وجميع الإخوة الاسبتار، لمدة عشر سنين متوالية وعشرة أشهر وعشرة أيام وعشر ساعات، أولها يوم الاثنين رابع رمضان سنة خمس وستين وستمائة من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام..."[2]، ويوضِّح القلقشندي طبيعة هذه الاتفاقيات بأنه جرت العادة "إذا كتبت الهدنة كُتب قرينَها يمينٌ يحلف بها السلطان أو نائبه القائم بعقد الهدنة على التوفية بفُصولها وشروطها، ويمينٌ يَحلف عليها القائم عن الملك الكافر بعقد الهدنة ممن يأذن له في عقدها عنه، بكتاب يَصدر عنه بذلك، أو تجهَّز نُسختها إلى الملك الكافر ليحلف عليها، ويكتبَ خطه بذلك، وتعاد إلى الأبواب السلطانية "[3]، ونَستنتج من هذا أن العدو المحتل ظلَّ يُوصَف بالكفر مهما حصل مِن هدْنة، وأن النص يضعه المسلم ويوقِّع عليه الكافر، وفي ظل هذا الفصل الحاد تظل الحياة اليومية تأخذ مجراها؛ فالمسلم والصليبي يَتعاملان في الأسواق، ويتبادَلان المصالح، ويأخذ كل منهما من الآخر ما يَصلُح له، دون وقوع في الإعجاب بالآخر المحتلِّ، ويَذكر ابن جبير في رحلته الشهيرة (تذكرة بالأخبار في اتفاقات الأسفار) نصوصًا كثيرة توثِّق مثل هذه العلائق، وهو الذي زار إمارات صليبية كثيرة، غير أنه ظلَّ يشمئز دومًا من أي حميميَّة أو تقارب مع العدوِّ، أو أي محاولة لتطبيع الأوضاع إلى النحو الذي يَجعل الناس تنسى أصل القضية وجوهر الصراع الأصلي؛ حيث يقول في حديثه عن حصن تبنين: "ورحلنا عن تبنين - دمَّرها الله - سحَر يوم الاثنين، وطريقنا كله على ضِياع متَّصلة، وعمائر منتظمة، سكانها كلهم مسلمون، وهم مع الإفرنج على حالة ترفيه، نعوذ بالله من الفتنة.."[4]، بل إن معظم المُصطَلحات التي تتضمَّنها الأدبيات التاريخية الإسلامية المعاصرة للحروب الصليبية تنطق بالعداء الواضح للاحتلال، وهو ما يتجلى في استخدام عبارات الشتم واستنزال اللعنات على الإفرنج كوصفهم بـ"النفوس الخبيثة"[5]، و"أكبر طواغيت الكفر وأغرى شياطينه"[6]، أو تُستعمل عبارات من قبيل: "خذَلهم الله أو لعنهم الله أو قبَّحهم الله"[7]، و"الهلاك لهم إن شاء الله"[8]، ولم يسلَم ملوكُهم من ثائرة الغضب؛ إذ وصف ابن شداد[9] الملك أرناط (أرنولد) صاحب الكرك بـ"اللعين الكافر، والجبار العنيد"، بينما نعت العماد الأصفهاني[10] ريتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا بـ"اللعين"، وفي السياق نفسه يصف ابن الأثير[11] المركيس صاحب (صور) بأنه من "شياطين الإنس"، أما أسامة بن منقذ صاحب كتاب "الاعتبار"، فرغم العلاقة الوثيقة التي ربطته بفرسان الداوية، وزيارته المتكرِّرة لملوك الصليبين، ووصفه بالتفصيل لمجالسه معهم وصلاته في المسجد الأقصى وأحيانًا في كنيسة صغيرة بجوار الأقصى يُخليها له "أصدقاؤه" من الصليبيِّين، غير أن كتابه يطفح بعبارات الاحتقار والعداء لهؤلاء الصليبيين الذين لم تمنعْه صلتُه بهم من مقاتلتهم والتحريض عليهم؛ حيث يقول في كتابه: "إذا خبر الإنسان أمور الإفرنج سبَّح لله تعالى وقدَّسه، ورأى بهائم فيهم فضيلة الشجاعة والقتال لا غير؛ كما في البهائم فضيلة القوة والحمل"[12]، ويورد قصصًا شهدها تكشف مدى تخلُّف فهمهم لمعنى العدالة، وإلى أي حدٍّ لم يكن للأخلاق قيمة في ما بينهم[13]، ورغم كل هذه العلائق ظل الوعْي العربي الإسلامي العام معاديًا للوجود الصليبي، ولا يستسيغ بقاء الاحتلال ولا يجد له مبرِّرًا، دون أن ينفي هذا وجودَ حالات من الخيانة لدى بعض الحكام أو العوام، وهؤلاء منبوذون مَنعوتون بكل نقيصة. وللحرب وجوه كثيرة: لقد حاول الاحتلال الصليبي إفساد السلوك العام في المجتمعات العربية الإسلامية حينها (تمامًا كما يجري اليوم)، مستخدمين في ذلك أقذر الوسائل وأشدها لؤمًا وانحطاطًا؛ حيث يُورد ابن كثير في تاريخه: "البداية والنهاية" عن حوادث العام 586 هجرية ما يلي: "استهلَّت والسُّلطان محاصر لحصن عكا، وأمداد الفرنج تَفِدُ إليهم من البحر في كل وقت، حتى إن نِساء الفرنج ليخرجْنَ بنيَّة القتال، ومنهنَّ مَن تأتي بنية راحة الغرباء ليَنكحوها في الغربة، فيجدون راحة وخدمةً وقضاءَ وطَر، قدم إليهم مركب فيه ثلاثمائة امرأة من أحسن النساء وأجملهنَّ بهذه النية، فإذا وجدوا ذلك ثبَتوا على الحرب والغربة، حتى إن كثيرًا من فسَقة المسلمين تحيزوا إليهم من أجل هذه النسوة، واشتهر الخبر بذلك"[14]، ويورد العماد الأصفهاني خبرًا عن هذه الشحنة من المقاتلات بقوله: "فوصلْنَ وقد سبلنَ أنفسهنَّ، وقدَّمْنَ للتبذُّل أصوَنَهنَّ، وذكرْن أنهنَّ قصدن بخروجهن تسبيل فروجهنَّ (أي: جعلها في سبيل الرب)، وأنهنَّ لا يمْتنعْنَ عن العزبان، ورأينَ أنَّهنَّ لا يتقرَّبْنَ بأفضل من هذا القربان، وتفرَّدْنَ بما ضربْنَه من الخيام والقباب، وركَّبنَ الصُّدور على الأعجاز، وسمحْنَ بالسلعة لذوي الإعواز"[15]، ورغم ما أحدثته هذه التصرفات الصليبية من فساد لَحِقَ جانبًا من بنيَة المجتمعات العربية الإسلامية، إلا أن الجسم العام ظل سليمًا معافًى قادرًا على المقاومة وردِّ العدوان، وهو ما سيتجلَّى لاحقًا في حركة التحرير الشامل التي قادها السلطان صلاح الدين الأيوبي ومِن قبله الزنكيُّون، وواصلها خلفاؤه من بعده، دون تضييع للحقوق أو تطبيع مع العدو باسم سلام مزعوم أو مفاوضات وهمية. إن الذين يحاولون اليوم "أنسنة" العدو، وإفقاد الصراع معناه، وتحويله من صراع وجود إلى معركة تُخاض على طاولات التفاوض؛ حيث يتم تبادل الكلمات والأنخاب - إنما يُصادرون حق الأمة وأجيالها المستقبلية في خوض معركة التحرير القادِمة، والإعداد لها بما يُناسبها من وعي أخلاقي، واستعداد نفسي، ومجهود حربي لحسم الصراع وإعادة الأراضي المحتلَّة، ولتكن دولُ المواجهة ثغورًا جهادية، وليست أنظمةً تخدم أجندات دولية (كما يجري اليوم)، وليظلَّ الصراع هو التوصيف الحقيقي للمعركة، وليس الحديث عن نزاع صهيوني / فلسطيني يتمُّ حله بالتفاوض، وفرضه بالتطبيع عبر أنظمة الخيانة، فكل تطبيع هو تضييع للقضية. [1] القلقشندي، أبو العباس أحمد: صبح الأعشى في صناعة الإنشاء، المطبعة الأميرية بالقاهرة (1919) (نسخة إلكترونية)، (14 / 8 - 9). [2] نفس المرجع السابق (14 / 31). [3] نفس المرجع السابق (14 / 71). [4] ابن جبير، أبو الحسن محمد: الرحلة المسماة "تذكرة بالأخبار في اتفاقات الأسفار" طبعة دار صادر - بيروت، دون تاريخ، (ص: 274 - 275). [5] ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق، تحقيق: سهيل زكار، دمشق، دار حسان للطباعة والنشر، 1983، (ص: 463). [6] العماد الأصفهاني: الفتح القسي في الفتح القدسي - حروب صلاح الدين وفتح بيت المقدس، دار المنار ط 1 (2004) (ص: 63). [7] ابن منقذ، أسامة: الاعتبار، تحقيق: عبدالكريم الأشتر، المكتب الإسلامي - بيروت، ط 2 (2003)، وتردُ مثل هذه العبارات في مواضع كثيرة من الكتاب. [8] ابن القلانسي: مرجع سابق (ص: 521). [9] ابن شداد: النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية، تحقيق: جمال الدين الشيال، ط 1، 1964، (ص: 33). [10] الفتح القسي في الفتح القدسي، مرجع سابق، (ص: 289)، وترد في الكتاب أوصاف أخرى مثل: الطاغية. [11] ابن الأثير: الكامل في التاريخ، دار الفكر، بيروت، دون تاريخ، (9 / 181). [12] الاعتبار: مرجع سابق (ص: 219). [13] يذكر أسامة بن منقذ في كتابه حوادثَ متفرِّقةً تدلُّ على انحدار أخلاق الإفرنج؛ مثل الرجل الذي يُدخل ابنته حمام الرجال، أو ذاك الذي وجد رجلاً في فراش زوجته ولم تَزدْ ردة فعله عن معاتبة الرجل، وغيرها من المواقف الغريبة، ثم يعلِّق بقوله: "فانظروا إلى هذا الاختلاف العظيم: ما فيهم غيرة ولا نخوة، وفيهم الشجاعة العظيمة" (نفس المرجع السابق (ص: 226). [14] ابن كثير، البداية والنهاية (12 / 409)، نسخة إلكترونية (موقع نداء الإيمان). [15] الفتح القسي في الفتح القدسي، مرجع سابق (ص: 187). المصدر... اثبت وجودك
..
|
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
|
|