من بعض أخطاء الكتابة في المصاحف الشريفة المطبوعة القديمة
محمد أحمد محمود
رصدَت دراستنا عن المصاحف القديمة المطبوعة، وقدْر تعلُّق الأمر بما توفَّر منها، وذلك في رسم كلمة النصِّ الحكيم، أو في طباعته، وقد لوحظ ذلك في كلٍّ من مصحف الجمهورية التركية المطبوع سنة 1936 بمطبعة (امنيّت) في إستانبول، وهو بخط حافظ عثمان، الخطاط العثماني المشهور، ومثلما ورد في بيانِ نَشر المصحف المذكور، والمصحف الإيراني المطبوع بمطبعة الأحمدي في طهران سنة 1366 هجرية، وهو بخط الكاتب (علي رضا خوشنويس).
الخطأ الذي وقع في المصحف التركي كان في كلمة (ادَّارك)، في قوله تعالى في الآية (66) من سورة النمل: ﴿ بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ ﴾ [النمل: 66]؛ فقَد وردَت الكلمة الخطأُ بالألف واللام وهكذا: ﴿ بَلِ الدَّارَك ﴾ [النمل: 66]. وقد بحَثنا إن كانت الكلمة بالألف واللام حقًّا في قراءة مرويَّة مثلًا، حتى وإن كانت ضعيفة، فلم نتمكّن من العثور على شيء، وقدر تعلق الأمر بالمصادر التي توفرت لنا، ولم نجد تفسيرًا لهذا الخطأ؛ سيَّما وأن بيانَ نشر المصحف المذكور يتضمَّنُ في آخره صورةَ مُصادَقة هيئة تدقيق المصاحف الشريفة بالجمهورية التركية، واسم كاتبه: المرحوم الخطاط حافظ عثمان أفندي.
وجديرٌ بالذكر أن طبعات المصحف المذكور الأقدمَ في العهد العثماني - كطبعة 1329 هجرية في المطبعة البحرية في إستانبول، وطبعة نِظارة المعارف لسنة 1304 هجرية في إستانبول أيضًا - وطبعات المصحف اللاحقة بخط الحافظ عثمان - كطبعات مكتبة الهاشمية في دمشق الشام للسَّنوات 1350 و 1371 و 1379 الهجرية - قد أوردَت الكلمةَ على الصحيح بدون الألف واللام ﴿ بَلِ ادَّارَكَ ﴾ [النمل: 66] وبإثبات الألف، وهي كذلك بدون الألف واللام في مصحف المدينة النبويَّة الشريف، والكلمة فيه بحذف الألف ﴿ بَلِ ادَّارَكَ ﴾ [النمل: 66] (تعذَّر كتابة علامة الألف).
أما مصحف مطبعة الأحمدي الإيراني - وقد أجرَينا دراسة تامَّة عن خطِّه ورسمه، وما جاء في رسمه على قراءتين - فقد وجَدنا الخطأَ في سورَتَي البقرة والأنعام؛ ففي البقرة جاء الخطأ الأول في الآية (45) في قوله تعالى: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾ [البقرة: 45]؛ فقد أورَد المصحف كلمةَ ﴿ وَالصَّلَوةِ ﴾ [البقرة: 45] مكرَّرةً مرَّتين واحدةً بعد الأخرى، جاءت الأولى آخِرَ كلمة في الآية الكريمة وفي السَّطر الأسفل من الصفحة رقم (11)، وجاءت الثانية المكرَّرةُ في أول السطر من الصفحة رقم (12) بعدها، فأصبحَت الآية بخطَأ التَّكرار؛ هكذا: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾ [البقرة: 45]
.
أمَّا الخطأ الثاني في المصحف الإيراني فقد ورد في الآية (146) من سورة الأنعام؛ في كلمة ﴿ شُحُومَهُمَا ﴾ [الأنعام: 146] في قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ﴾ [الأنعام: 146]... الآية، فقد أورَد المصحفُ كلمة ﴿ شُحُومَهُمَا ﴾ [الأنعام: 146] بحرف الهاء بدل الحاء فصارت: (شُهُومَهُمَا)، وقد رجَّحنا تفسيرَ هذا الخطأ - سواءٌ أكان من المُملِي أو مِن كاتب النسخة المرشَّحة للطباعة - أنَّ لَكْنته الأعجمية قد غلبَت في فمه ولسانه، فتعذَّر عليه النطقُ بحرف الحاء؛ لثِقلِه، فنطَق بالهاء، فجاءت الكلمة مكتوبة به، وغفل في الوقت نفسه عن صورة الكلمة بحروفها العربية التامة، وتَغافل كذلك عن صورة حرف الحاء فيما جاء به القرآن الكريم في كلمات كثيرة، مِن قَبيل: ﴿ يُحْيِ الْمَوْتَى ﴾ [الحج: 6]، ﴿ فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ ﴾ [طه: 61]، ﴿ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ﴾[المائدة: 85]، ﴿ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ ﴾ [التوبة: 100]، ﴿ قُلْ أُوحِيَ ﴾ [الجن: 1]... وهكذا.
وتميَّز مصحف إيران الجديدُ - بخطِّ مصطفى أشرفي تبريزي، منظمة الأوقاف والشؤون الخيرية - المطبوعُ في طهران من الناشر (انتشارات اسوه)، وذلك في عام 1387هـ.ش، برَسْم كلمتَي (الَّتي) محذوفتَي إحدى اللَّامَين منها؛ وذلك في الآية (15) من سورة النساء في قوله تعالى: ﴿ وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ ﴾ [النساء: 15]، والآية (23) من السورة نفسها في قوله تعالى: ﴿ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي ﴾ [النساء: 23].
تميز المصحف الشريف الجديدُ المذكور برسم الكلمةِ على غير المعهود في الرسم المصحفيِّ في المصاحف المطبوعة، وخاصة مصحف المدينة المنورة الشريف؛ حيث أورد كلمة الآية (15) من النساء برسم "اللام ألف" بعد الهمزة المبتدَأة صورة الألف، ووضع الشدة وفوقها الفتحة فوق اللام؛ كالآتي: ﴿ وَاللَّاتِي يَأْتِينَ ﴾ [النساء: 15]. ونفس الشيء كلمة الآية (23) في نفس السورة: ﴿ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي ﴾ [النساء: 23]؛ الأمر الذي يتطلَّب تقرير هذا الخطأ في الرسم من عدمه؛ سيَّما وأن المعهود - فيما ذكره الإمام أبو عمرو الدَّاني في كتابه "المقنع" - في رسوم مصاحف الأمصار: أن المصاحف اجتمعت على حذف إحدى اللَّامين؛ (أي: في الكلمتين موضعِ بحثنا، وغيرها من الكلمات التي يوردها رحمه الله)؛ وذلك لكثرة الاستعمال ولكراهة اجتماع صورتين متَّفقتين).
وفي مثلِ كل هذه الكلمات محذوفة إحدى اللامين قد لاحَظْنا أن المصحف الإيراني المطبوع بمطبعة الأحمدي في طهران سنة 1366 بخط (علي رضا خوشنويس) - وهو من القرن الحادي عشر الهجري، كما ذكَرنا آنفًا - يُثبت اللامين دون حذف، وذلك في كلمتي آيتي النساء (15) و (23)، وحيثما تَرد في القرآن الكريم في المصحف المذكور.
ومِن جانبنا فنحن لا نستطيع القول باجتهاد كاتب المصحف الإيراني الجديد في اختيار اللفظ القرآني؛ على اتساع اللغة العربية وتفضيل ما رآه يسيرًا في نطق الكلمة رسمًا وقراءة؛ لأنَّ الرسم القرآنيَّ هو أمر قد أجمع عليه علماءُ الرسم في الأمة الإسلامية، أو القول باستناد كاتب المصحف الإيراني الجديد إلى مصاحفَ مخطوطةٍ قديمة، والمعروف أنَّ في إيران إرثًا من المصاحف المخطوطة الشريفة القديمة، من حصيلة مختلِف القرون الإسلامية.
وفي الحالين فإن الأمر يتطلَّب معرفة الأساس المرجعيِّ الذي لجأ إليه كاتبُ المصحف المذكور السيد مصطفى أشرفي تبريزي؛ رعايةً للنص الحكيم ورسمِه المعهود.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا ورسولنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين وتابعيهم إلى يوم الدين.
المصدر...