بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ليست القصة القرآنية عملاً فنيًا مطلقًا مجردًا عن الأغراض التوجيهية، إنما هي وسيلة من وسائل القرآن الكثيرة إلى تحقيق أغراضه الدينية الربانية، فهي إحدى الوسائل لإبلاغ الدعوة الإسلامية وتثبيتها .
كان من أغراض القصة القرآنية إثبات الوحي والرسالة، وتحقيق القناعة بأن محمد صلى الله عليه وسلم وهو الأمي الذي لا يقرأ ولا يعرف عنه أنه يجلس إلى أحبار اليهود والنصارى، يتلو على قومه هذه القصص من كلام ربه، وقد جاء بعضها في دقة وإسهاب، فلا يشك عاقل في أنها وحي من الله، وأن محمد رسول الله يبلغ رسالة ربه،
والقرآن ينص على هذا الغرض نصًا في مقدمات بعض القصص أو في أواخرها فقد جاء في أول سورة يوسف:
{إنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلونَ، نَحْنُ نَقُصٌّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنَا إلَيْكَ هذا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لِمِنَ الْغافِلينَ} [ يوسف: 2و3 ]
وجاء في سورة هود بعد قصة نوح: {تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نوحيها إِلَيْكْ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ} [ هود: 49 ].
ومن أغراض القصة القرآنية: بيان أن الدين كله من عند الله .
وأن الله ينصر رسله والذين آمنوا ويرحمهم وينجيهم من المآزق والكروب، من عهد آدم ونوح إلى عهد محمد صلى الله عليه وسلم، وأن المؤمنين كلهم أمه واحدة والله الواحد رب الجميع .
وكثيرًا ما وردت قصص عدد من الأنبياء مجتمعة في سورة واحدة، معروضة عرضًا سريعًا بطريقة خاصة لتؤيد هذه الحقيقة، كما في سورة الأنبياء، حيث ورد ذكر: موسى وهارون، ثم لمحة موجزة عن قصة إبراهيم ولوط، وكيف نجاهم الله وأهلك قومهما، وقصة نوح، وجانب من أخبار داود وسليمان، وما أنعم الله عليهما،
وأيوب حين نجاه الله من الضر، وورد ذكر إسماعيل وإدريس وذي الكفل وكلهم من الصابرين الصالحين . وذكر الله لنا:
{وَذا النّونِ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا} [ الأنبياء: 87 ] قال تعالى: {فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمَّ وَكَذَلِكَ نُنْجي الْمُؤْمِنينَ} [ الأنبياء: 88 ]
ثم قال تعالى: {وَزَكَرِيّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبَّ لا تَذَرْني فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثينَ} [ الأنبياء: 89 ]
ويختم الله هذه السلسلة من الأنبياء بخبر مريم وابنها عيسى عليهما السلام{وَالَّتي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فيها مِنْ روحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيهْ لِلْعالَمينَ} [ الأنبياء:91 ]
ثم يخاطب الله مباشرة جميع أنبيائه ورسله وأتباعهم بقوله{إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمًَّة واحِدًَة وَأَنا رَبُّكُمْ فَاعْبُدونِ} [ الأنبياء: 92 ] .
فتبين بهذه الآية الكريمة تقرير الغرض الأصيل من هذا الاستعراض الطويل وهو أن جميع الأنبياء يدينون دينًا واحدًا ويخضعون لرب واحد يعبدونه وحده لا يشركون به شيئًا،
وعندما نستعرض خبر كل نبي نجد أن الله قد شد أزره ونصره ونجاه من الكرب الذي نزل به، أو المأزق الذي أوشك أن يقع فيه، كما نجى ذا النون ( يونس ) واستجاب لزكريا، وكما نجى إبراهيم وقد أوشك أن يحترق بالنار ؛ وأنه سبحانه دائمًا ينعم على رسله والذين آمنوا إذا صبروا وصدقوا، كما أنعم على داود بالنصر، وسليمان بالملك، فشكروا نعمة ربهم .