بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
(( شهر رمضان فضله وبعض ما يشرع فيه من العبادة ))
لسماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد:
فإننا اخترنا أن تكون افتتاحية هذا العدد من هذه المجلة المباركة النافعة حول شهر رمضان ، فضله وبعض ما يشرع فيه من العبادات . فإن الله سبحانه وتعالى قد مَنَّ علينا بهذا الشهر الكريم المبارك ، زمن فاضل خصه الله بمزيد من الخصائص من بين سائر الشهور ، فهو الشهر الذي أنزل فيه القرآن كتاب الله العظيم يقول الله عز وجل:
شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ
في هذا الشهر تفتح أبواب الرحمة ، وتغلق أبواب النيران وتصفد الشياطين ، فتكون النفوس المؤمنة مقبلة على طاعة ربها ، معرضة عن معاصيه ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا دخل رمضان فُتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين رواه الجماعة إلا أبا داود بألفاظ متقاربة عن أبي هريرة رضي الله عنه . وجاء عند بعضهم عن غيره ، وزادالترمذي وابن ماجه والنسائي في رواية: وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل ، ويا باغي الشر أقصر ، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة وفي بعض الروايات تقييد التصفيد والغل بمردة الشياطين ؛ فاختلفت أنظار العلماء في شرحه وبيانه فمنهم من قال: إن التصفيد خاص بمردة الشياطين دون غيرهم تقليلا للشر في هذا الشهر ، وقال بعضهم: إن هذا الفضل إنما يحصل للصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه ، وروعيت آدابه . وقال آخرون -وهو الأقرب إلى الصواب بإذن الله-: إن تصفيد الشياطين على حقيقته ، ولا يلزم من تصفيد جميع الشياطين أن لا يقع شر ولا معصية ؛ لأن لذلك أسبابا غير الشياطين ، كالنفوس الخبيثة والعادات القبيحة ، والشياطين الإنسية ، فالمقصود أنه وبكل حال فإن هذا الشهر فرصة لمن وفقه الله وفتح على قلبه للإقبال على طاعته ، والبعد عن معاصيه لتوفر أسباب ذلك ودواعيه . ويستفاد من هذا الحديث بزياداته فضيلة أخرى ، وهي أن لله في هذا الشهر عتقاء من النار وذلك كل ليلة . وفضائل هذا الشهر الكريم كثيرة عظيمة ذكرنا فيما مضى طرفا منها .
ودخول هذا الشهر الكريم لا يثبت إلا بأحد أمرين:
الأول : رؤية هلال رمضان . فيثبت الشهر بذلك بإجماع المسلمين ؛ لقول الله تعالى:
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ
وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا رأيتموه فصوموا ، وإذا رأيتموه فأفطروا متفق عليه .
ويكفي في ثبوت الرؤية إخبار عدل واحد من المسلمين برؤيته له ، على الصحيح ، لقول ابن عمر رضي الله عنهما: تراءى الناس الهلال ، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته ، فصام ، وأمر الناس بصيامه رواه أبو داود والدرامي وابن حبان والحاكم والبيهقي ، وصححه ابن حازم .
وفي حديث ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني رأيت الهلال- يعني رمضان- فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم . قال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم . قال: يا بلال أَذِّنْ في الناس فليصوموا غدا رواه أصحاب السنن .
الأمر الآخر: الذي يثبت به دخول شهر رمضان ؛ إكمال عدة شعبان ثلاثين يوما ، فإنه إذا لم ير الهلال أكملت عدة شعبان ثلاثين يوما ، سواء كان الجو صحوا أو غائما أو قترا ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: الشهر تسع وعشرون ليلة ، فلا تصوموا حتى تروه ، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين متفق عليه واللفظ للبخاري ، وفي معناه أحاديث أخرى في الكتب الستة وغيرها . ومن رأى الهلال فردت شهادته فإنه لا يصوم إلا يوم صوم الناس ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: الصوم يوم تصومون أخرجه الترمذي .
ولا يثبت دخول الشهر بغير هذين الأمرين ، فلا عبرة بقول أهل الحساب والفلك في هذا الأمر ، فإنه أمر شرعي ينبني عليه عبادات المسلمين ضبطها الشارع بضوابط لا يجوز لنا تجاوزها ، وقد دلت الأدلة على أن ثبوت شهر رمضان لا يكون إلا بالرؤية الشرعية المعتبرة ، أو بإكمال عدة شعبان ثلاثين يوما .
ولم يأت دليل يُعلق دخول هذا الشهر بالحساب ، بل قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على عدم اعتباره ، ففي صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إنِّا أمة أمية لانكتب ولانحسب ، الشهر هكذا وهكذا يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين . فنفى المعرفة بالحساب وظاهره نفي تعليق الحكم به ، يوضح ذلك ما في البخاري أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبا ثلاثين .
بل إن بعض العلماء قد نقل إجماع السلف على عدم اعتبار الحساب في ثبوت شهر رمضان ، وإذ قد ظهر ذلك فإن الاعتماد على الحساب في إثبات الشهر عمل غير مشروع ؛ لعدم الدليل عليه ، مع مخالفته لظواهر الأدلة وما نُقل من إجماع سلف الأمة ، فيكون القول به مردودًا على صاحبه ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عائشة رضي الله عنهما الذي أخرجه مسلم في صحيح: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد . والجاليات المسلمة في البلاد الكافرة إن تمكنوا من تحري رؤية هلال رمضان فهو المتعين ، وإن لم يتمكنوا فالواجب عليهم أن يتبعوا أقرب بلد مسلم يعمل بالرؤية الشرعية ، ولا يجوز لهم العمل بالحساب بحالٍ كغيرهم من المسلمين في بلاد الإسلام .
***** يتبع *****