من الصفات الفعلية: الاستواء على العرش
الشيخ عادل يوسف العزازي
الله قد استوى على عرشه استواءً يليق به، ولا يشبه استواء المخلوقين، والأدلة على استوائه كثيرة، منها:
قال تعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ [طه: 5].
وقال تعالى: ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ﴾ [النحل: 50].
وقال تعالى: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ [فاطر: 10].
وفي الحديث: أن عائشة قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات؛ إن خولة جاءت تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيخفى عليَّ أحيانًا بعض ما تقول، فأنزل الله تعالى: ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ ﴾ [المجادلة: 1][1].
وثبت في الحديث عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأمَة السوداء: ((أين الله؟))، قالت: في السماء، قال: ((أعتقها؛ فإنها مؤمنة))[2].
هذا، وقد ذهب بعض أهل البدع إلى أن الاستواء بمعنى الاستيلاء، فحرَّفوا بذلك النصوص عن ظاهرها، زاعمين أنهم بذلك نزَّهوا الله عن مشابهة الخلق، وهذا باطل؛ لأن السلف عندما أثبتوا الاستواء إنما أثبتوا استواءً يليق به سبحانه وتعالى، لا يشبه استواء المخلوقين.
ثم نقول لهؤلاء: وأي تنزيه في وصفه سبحانه بالاستيلاء؟! أوَليس الاستيلاء أيضًا من صفات المخلوقين؟! ثم إنكم عندما تصفونه بالاستيلاء يُشعِر وصفكم هذا بأنه كان مُنازَعًا فيه حتى استولى عليه، وهذا فيه نقصٌ لله؛ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
أين الله؟!
هذا سؤال سأله النبي صلى الله عليه وسلم للجارية، كما تقدم في الحديث، فأجابته قائلة: (في السماء)، فهل يعني ذلك أن الله تحيط به السماء؟!
الجواب: لا، بل إن "في" بمعنى "على"؛ كقوله تعالى: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ﴾ [الأنعام: 11] يعني: عليها، وقوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ﴾ [طه: 71] يعني: عليها، وعلى ذلك فالله فوق السموات، مستوٍ على عرشه، يدبِّرُ أمر خَلقه، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
وأما من يقول: إن الله في كل مكان، فإن كان يقصد بذلك أنه في كل مكان "بذاته"، فهذا باطل؛ فالله منزه عن الأمكنة؛ فهو فوق السموات، وأما إن كان يقصد أنه في كل مكان "بعلمه"، فذلك صحيح؛ فقد أحاط بكل شيء علمًا؛ قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [المجادلة: 7]، فبدأ الآية بالعلم، وختمها بالعلم.
[1] صحيح: رواه ابن ماجه (2063)، والنسائي (6/ 168)، والدارمي في (الرد على المريسي) (ص46).
[2] رواه مسلم (537)، وأبو داود (930)، والنسائي (3/ 14)، والدارمي في (الرد على المريسي) (ص95).
المصدر...