![]() |
![]() |
|
|
#1 | |
|
مدير ومالك المنتديان
![]() |
آكل الحسنات ![]() آكل الحسنات إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. إلهي، ماذا فقدَ من كان معك؟ وماذا وجد من فقد قربك؟! فبك الغنْية عن كل أحد، وليس غنيةٌ أبدًا عنك، فليتك ترضى وإن غضب الناس، وليت الذي بيني وبينك عامر وإن خرب ما بيني وبين كل الناس. فليتك تحلو والحياة مريرة ![]() وليتك ترضى والأنام غضاب ![]() وليت الذي بيني وبينك عامر ![]() وبيني وبين العالمين خراب ![]() وليت شرابي من ودادك صافياً ![]() وشربي من ماء العين سراب ![]() إذا صح منك الود فالكل هين ![]() وكل الذي فوق التراب تراب ![]() إخواني! تأهبوا ليومٍ تترادف فيه العَبَرات، وتعظم الحَسَرات، فَيعضُ الظالم على يديه ويقول: يا حسرتا يوم يقول لك أين من أرضيتَ عنك بغضبي عليك، ابن آدم أين من كنتَ تَزَيَّنْتَ له وبالقبيح بارزتني، ما هذا التذلل بين يديّ وقد كنت جبّاراً عنيداَ، طالما ذُكرْتَ بموقفكَ هذا فتناسيتَ، وطالما بُصِّرْتَ بأمركَ هذا فتعاميتَ، ولم تزدد إلاّ فراراَ، يا حسرةَ العاصين، يا ذُلّ مقام المتجبرين، واخيبة المضطرين، واخسارة المُسرِفينْ.[1] أما بعد فيا أيها الإخوة: إن الله - تبارك وتعالى - عزيز ومن عزته أن لا يقبل شريكاً في عمل من عمل له فأشرك في إرادته وقصد غيره معه، فلا يقبل - عز وجل - من العمل إلا ما كان خالصاً يبتغي به وجهه وحده فحينئذ يقبل ويؤجر ويثيب، بهذا أمر الله عباده وبهذا أعلمهم قال تعالى: "وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء" ولذا شن الوحي المبارك قرآنا وسنة حرباً لا هوادة فيها على الرياء وأهله معلنًا بوسائل شتى أن هؤلاء ليس لهم خلاق ولا نصيب في الآخرة بل هم عاملون ناصبون كادحون في الدنيا خاسرون بائرون في الآخرة، لأنهم لا يجدون في ساح القيامة من أعمالهم التي عملوها لغير الله إلا ما يجده الذي يحرث في البحر، يجد البحر كما هو ولا أثر لحرثه ولا سعيه. ولذلك وجب على كل عبد أن يتعلم الإخلاص ويتعرف على الرياء فيقصد إلى الأول "الإخلاص" ويحافظ عليه ويجتنب الثاني "الرياء" ويحذره.. فتعالوا بنا - أيها الإخوة - نتعرف من نافذة قريبة إلى حقيقة الرياء ما هو؟ وما مداخله؟ وما خطره؟ وما عاقبته؟ وكيف يتقيه الإنسان ويحذره؟ فأعيروني القلوب والأسماع والله أسأل أن يجعل أعمالنا كلها خالصة لوجهه، وأن يرزقنا في كل عمل نية خالصة صافية.. أيها الإخوة ما هو الرياء؟ الرياء بكل وضوح هو إظهار العبد عمل الصالحات ليراه الناس ويحمدوه ويثنوا عليه ويمدحوه، وقد سماه الشرع بأسماء عدة كلها تحذر منه وتدعو إلى اجتنابه، فسمى القرآن الكريم الرياء شركاً وسماه تسميعًا وأضافه إلى خصال المنافقين ونفر منه أشد التنفير حتى يحذره الناس ولا يقربوه. قال تعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 110]. وهذا يشمل الشرك الأكبر والأصغر وهو الرياء. وقال تعالى: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾. وقال تعالى: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ * وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الأنفال: 47، 48]. وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا * مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا ﴾ [النساء: 142، 143]. فذم الله - عز وجل - صاحب الرياء الذي يريد بعمله وجه الخلق ومدح العبد المخلوق وهو في غفلة عن الخالق المعبود جل جلاله وجعله سبحانه من خصال الكافرين والمنافقين وتوعدهم بالويل وهو واد في جهنم شديد حره بعيد قعره أعاذنا الله وإياكم من شره وكما قال سبحانه: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ﴾ [النساء: 145]. وفي الحديث الذي أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه. [2] وفي الحديث الذي أخرجه البزار بسند صحيح من حديث الضحاك بن قيس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يقول: أنا خير شريك، فمن أشرك بي أحدا فهو لشريكي! يا أيها الناس! أخلصوا الأعمال لله، فإن الله - عز وجل - لا يقبل من العمل إلا ما خلص له، ولا تقولوا: هذا لله وللرحم فإنه للرحم وليس لله منه شيء! ولا تقولوا: هذا لله ولوجوهكم، فإنه لوجوهكم، وليس لله منه شيء".[3] ومن أجمل ما قاله الحافظ ابن رجب - رحمه الله تعالى - يوضح أهمية الإخلاص وخطر الشرك: إن قول العبد لا إله إلا الله يقتضي أن لا إله له غير الله، والإله هو الذي يُطاع فلا يعصى هيبةً له وإجلالاً، ومحبة وخوفًا ورجاءً وتوكلاً عليه، وسؤالاً منه، ودعاء له، وهذا لا يصح إلا لله - عز وجل - فمن أشرك مخلوقًا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية كان ذلك قدحًا في إخلاصه في قول: لا إله إلا الله، ونقصًا في توحيده، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك. وهذا كله من فروع الشرك، ولهذا ورد إطلاق الكفر والشرك على كثير من المعاصي التي منشؤها من طاعة غير الله، أو خوفه أو رجائه أو التوكل على غير الله، والاعتماد عليه.[4] فمن أراد سعادة الدنيا والآخرة، وهناءتهما فليلزم الإخلاص إلى آخر الأنفاس وليبتعد قدر الإمكان عن مراءاة الناس فمن فعل فقد سعد روى البخاري من حديث أبي هريرة أنه قال: قيل: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "ما كنت أظن أن أحداً يسبقك إلى هذا السؤال لما علمت من حرصك على الحديث، يا أبا هريرة! أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه"[5] وهكذا تبلغ النية بأصحابها بل إن الفقير المعدم الذى لا يملك شيئاً يكون بالنية الصالحة مع حسن العمل المتيسر له ملكاً متوجاً يرث ما يرثه خير الناس من أصحاب الأموال التي تمكنهم من أفضل الأعمال ففي الحديث الذي أخرجه الترمذي من حديث أبي كبشة الأنماري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ""إِنَّمَا الدُّنْيَا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِى فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالاً فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لي مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا فَهُوَ يَخْبِطُ في مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لاَ يَتَّقِى فِيهِ رَبَّهُ وَلاَ يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَلاَ يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالاً وَلاَ عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لِى مَالاً لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلاَنٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ".[6] فانظر كيف تصنع النية الخالصة لله تعالى ترجو ثوابه وتخشى عقابه، أما من أسلم نيته إلى الناس يستمطر ثناءهم ويستجر مدحهم ويتسول محمدتهم فهذا باء بخسارة دونها كل خسارة تتحمل وكلكم أحبتي يعرف حديث الأشقياء الثلاثة المجاهد في سبيل الله الشهيد، وقارئ القرآن وعالمه، والمنفق في سبيل الله الكريم الجواد، ماذا، أشقياء؟ أشقياء وهم بهذا الاسم والوصف؟! نعم، وما مصدر شقائهم يا ترى، إنه ليس في عدم إجادتهم لما قاموا به من أعمال أو سوء اختيارهم للعمل الفاضل من بين الأعمال ولكنه الاشتغال بالعمل لاستجلاب مدح الناس ومراءاتهم وإظهار الأعمال رياء وتسميعاً والانصراف عن الله وإرادة وجهه ورضاه، ولذلك كان الجزاء من جنس العمل راءوا فراءى الله بهم في الآخرة وسمعوا فسمع الله بهم على رءوس الأشهاد يوم يحشر العباد وأختار أن أسرد الحديث على مسامعكم من رواية الترمذي وابن حبان من حديث شفى الأصبحي ففيها تفصيل ربما نسمعه لأول مرة وفيها عظة وعبرة عملية وقدوة حسنة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحرص على الإخلاص والخوف من الرياء والحديث صححه الألباني وهو أن شفيًّا الأصبحي دخل المدينة مدينة النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس فقال من هذا قالوا أبو هريرة قال فدنوت منه حتى قعدت بين يديه وهو يحدث الناس فلما سكت وخلا قلت له أسألك بحق وبحق لما حدثتني حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعقلته وعلمته فقال أبو هريرة أفعل لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عقلته وعلمته ثم نشغ أبو هريرة نشغة فمكثنا قليلا ثم أفاق فقال لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وهو في هذا البيت ما معنا أحد غيري وغيره ثم نشغ أبو هريرة نشغة أخرى ثم أفاق ومسح عن وجهه فقال أفعل لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وهو في هذا البيت ما معنا أحد غيري وغيره ثم نشغ أبو هريرة نشغة شديدة ثم مال خارًّا على وجهه فأسندته طويلا ثم أفاق فقال حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله - تبارك وتعالى - إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم وكل أمة جاثية فأول من يدعى به رجل جمع القرآن ورجل قتل في سبيل الله ورجل كثير المال فيقول الله - عز وجل - للقارئ ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي قال بلى يا رب قال فما عملت فيما علمت قال كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار فيقول الله - عز وجل - له كذبت وتقول له الملائكة كذبت ويقول الله - تبارك وتعالى - بل أردت أن يقال فلان قارئ وقد قيل ذلك ويؤتى بصاحب المال فيقول الله - عز وجل - ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد قال بلى يا رب قال فماذا عملت فيما آتيتك قال كنت أصل الرحم وأتصدق فيقول الله له كذبت وتقول الملائكة كذبت ويقول الله - تبارك وتعالى - بل أردت أن يقال فلان جواد وقد قيل ذلك ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله فيقول الله له في ماذا قتلت فيقول أي رب أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت فيقول الله له كذبت وتقول الملائكة كذبت ويقول الله بل أردت أن يقال فلان جريء فقد قيل ذلك ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتي فقال يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة قال الوليد أبو عثمان المديني وأخبرني عقبة أن شفيا هو الذي دخل على معاوية فأخبره بهذا قال أبو عثمان وحدثني العلاء بن أبي حكيم أنه كان سيافا لمعاوية قال فدخل عليه رجل فأخبره بهذا عن أبي هريرة فقال معاوية قد فعل بهؤلاء هذا فكيف بمن بقي من الناس ثم بكى معاوية بكاء شديدا حتى ظننا أنه هالك وقلنا قد جاء هذا الرجل بشر ثم أفاق معاوية ومسح عن وجهه وقال صدق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذي ليس لهم في الأخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون[7] وصدق المصطفى إذ يقول: من قام مقام رياء وسمعة راءى الله به يوم القيامة وسمع[8] والحديث أخرجه أحمد بإسناد جيد، بل وفي الحديث الذي أخرجه الطبراني من حديث سعيد بن المسيب، قال سمعت عبد الله بن عمرو يقول يومًا في ملأ من المسلمين فيهم ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من سمع الناس بعمله سمع الله به مسامع خلقه وصغره وحقره[9] قال سعيد: فرأيت عيني ابن عمر تذرفان. وهذا كله يوضح لنا خطر الرياء ومدى عاقبته السيئة، إن المرائي لا يدرى ماذا يجني على نفسه حين يقصد بالعمل وجه غير الله، روى الطبراني بسند صحيح من حديث أبي هند الداري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من رايا بالله لغير الله فقد برئ منه الله".[10] فالرياء داء عضال يغضب الله - عز وجل - ويحبط الأعمال ويورث عاقبة السوء ولذلك خافه علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ففي غير حديث يحذر منه ويخبر بخطره ويخبر عن خوفه علينا منه كما في الحديث الذي أخرجه أحمد وغيره وسنده حسن من حديث أبي علي الكاهلي قال: "خطبنا أبو موسى الأشعري فقال يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل فقام إليه عبد الله بن حزن وقيس بن المضارب فقال: والله لتخرجن مما قلت أو لنأتين عمر مأذونا لنا أو غير مأذون فقال: بل أخرج مما قلت خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل، فقال له من شاء الله أن يقول وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله قال قولوا اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه[11] وروى أحمد كذلك من حديث محمود بن لبيد قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا أيها الناس إياكم وشرك السرائر" قالوا يا رسول الله وما شرك السرائر قال: "يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته جاهدا لما يرى من نظر الناس إليه فذلك شرك السرائر"[12] بل ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً منذ خلق الله الأرض إلى أن يرثها وما عليها أعظم فتنة من المسيح الدجال، تصوروا معي، ومع ذلك خاف النبي صلى الله عليه وسلم على الأمة من الرياء أعظم من خوفه عليها من الدجال ففي الحديث الذي أخرجه ابن ماجة وغيره وسنده حسن من حديث أبي سعيد الخدري قال: خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نتذاكر المسيح الدجال فقال: ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ فقلنا: بلى يا رسول الله فقال: "الشرك الخفي أن يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل"[13] وأحب أن أنبه تنبيهاً ليس هذا بابه ولكن الإشارة إليه في هذا الحديث تدفعني إلى بيانه ذلك أن بعض الناس أو جلهم معظمهم يقولون عن الدجال المسيخ الدجال يظنون أنهم إن قالوا المسيح كانت لابن مريم وهذا خطأ فكل الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم سمته المسيح - بالحاء - وليس في شيئًا منها ذكر المسيخ بالخاء كما نبه على ذلك الحافظ وليس أحرص على الخير والضبط من رسول الله صلى الله عليه وسلم الشاهد - أيها الإخوة - أن النبي صلى الله عليه وسلم حذر أمته الرياء وخوفها منه بكل سبيل وورث ذلك الحذر الصحابة والتابعون الذين سمعوا وصية الله في قرآنه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 264]. وسمعوا وصية النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه: "إياكم وشرك السرائر قالوا يا رسول الله وما شرك السرائر قال يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته جاهداً لما يرى من نظر الناس إليه فذلك شرك السرائر".[14] وعى سلفنا الصالح هذه الكلمات عن الله جل في علاه وعن المصطفى صلى الله عليه وسلم فجعلوها نبراساً يضيء حياتهم ويهديهم سبيلهم، فكانت خير معوان لهم على التخفي بالصالحات والطاعات. روى البيهقي في شعب الإيمان عن شداد بن أوس قال: كنا نعد الرياء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم الشرك الأصغر. [15] ومن ثم ذموا الرياء والمرائين فهذا عمر بن الخطاب يرى رجلًا يمشى يطأطئ رقبته، فقال له: يا صاحب الرقبة: ارفع رقبتك ليس الخشوع في الرقاب، إنما الخشوع في القلوب. وقال علي رضي الله عنه: للمرائي ثلاث علامات: يكسل إذا كان وحده، وينشط في الناس، ويزيد في العمل إذا أثنى عليه وينقص إذا ذم به. وأتى أبو أمامة على رجل وهو ساجد يبكي في سجوده، ويدعو فقال له: أنت أنت! لو كان هذا في بيتك. وقال الحسن: المرائي يريد أن يغلب قدر الله فيه، هو رجل سوء يريد أن يقول للناس هو صالح، فكيف يقولون وقد حل من ربه محل الأردياء. وقال قتادة: إذا راءى العبد، يقول الله: انظروا إلى عبدي كيف يستهزئ بي. وقال الفضيل: ترك العمل لأجل الناس شرك، والعمل لأجل الناس رياء، والإخلاص أن يعافيك الله منهما. وقال محمد بن المبارك الصوري: أظهر السمت بالليل، فإنه أشرف من إظهاره بالنهار، لأن السمت بالنهار للمخلوقين، والسمت بالليل لرب العالمين. ولذلك قال بعض الحكماء في مثل الرياء: مثل من يعمل رياء وسمعة كمثل من ملأ كيسه حصى ثم دخل السوق ليشتري به فإذا فتحه بين يدي البائع افتضح وضرب به وجهه فلم يحصل له به منفعة سوى قول الناس ما أملأ كيسه ولا يُعطى به شيئاً فكذلك من عمل للرياء والسمعة لا منفعة له في عمله سوى مقالة الناس ولا ثواب له في الآخرة قال تعالى: "وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً" أي كمثل الغبار الذي يرى في شعاع الشمس ولا منفعة فيه فاحذروا - أيها الإخوة - الرياء، وأخلصوا في أعمالكم لربكم الإخلاص الإخلاص البواطن البواطن النيات النيات السرائر السرائر فإن عليكم من الله عينًا ناظرة. والسؤال - أيها الإخوة - ما هو حكم العمل الذي راءى فيه العبد؟ وأبين هذا مع أن الأحاديث قد تقدمت به لأن في المسألة تفصيل ذكره العلماء وهذا من رحمة الله بنا إذ لو كان الأمر أن يرد كل عمل راءى العبد فيه جملة واحدة لضعنا جميعاً، لو أن الله تعالى كلما راءى عبد في عمل في أوله أو أوسطه أو آخره أو بعده فأحبط عمله كله لضعنا وضاعت أعمالنا بأسرها ولكن من رحمة الله أن في الأمر تفصيلاً أوضحه - أيها الإخوة - بهذا التقسيم السهل اليسير. أولًا: إذا كان العمل فيه رياء خالص: إن العمل تارة يكون رياء خالصاً، بحيث لا يراد به سوى مراءاة المخلوقين لغرض دنيوي كحال المنافقين في صلاتهم، والحمد لله فإن هذا الرياء الخالص لا يكاد يصدر من مسلم في فرض الصلاة والصيام ولكن قد يصدر منه في الصدقة الواجبة أو الحج وغيرهما من الأعمال الظاهرة أو التي يتعدى نفعها، فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة. ثانيا: إذا كان العمل لله مع رياء: فقد يكون العمل لله ويشاركه الرياء، فإن شاركه في أصله أى في القصد والنية، فالنصوص الصحيحة من السنة تدل على بطلان هذا العمل وحبوطه وثوابه. ثالثًا: إذا كان العمل يخالطه غير الرياء: إن العمل إذا خالطه شيء غير الرياء لم يبطل بالكلية، فإن خالط نية الجهاد مثلاً نية أخرى غير الرياء مثل أخذ أجرة للخدمة أو أخذ شيء من الغنيمة أو التجارة نقص بذلك أجر المجاهد ولم يبطل بالكلية. [16] روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث، وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم".[17] رابعًا: إذا كان العمل خالصًا لله ثم تطرأ عليه نية الرياء: إذا كان أصل العمل لله وحده ثم طرأت عليه نية الرياء، فإن كان خاطراً ودفعه فلا يضره بغير خلاف بين العلماء، فإن استرسل معه، فهل يحبط عمله أم لا يضره ذلك ويُجازى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف، قد حكاه الإمام أحمد وابن جرير الطبري، ورجّحا أن عمله لا يبطل بذلك، وأنه يجازي بنيته الأولى، وهذا القول مروي عن الحسن البصري وغيره، وذكر ابن جرير الطبري أن هذا الاختلاف إنما هو في عمل يرتبط بأوله كالصلاة والصيام والحج فأما ما لا ارتباط فيه كالقراءة والذكر وإنفاق المال، ونشر العلم، فإنه ينقطع بنية الرياء الطارئة، ويحتاج إلى تجديد نية. خامسًا: إذا كان العمل لله لكن يصاحبه ثناء من الناس: إذا كان عمل المسلم عملاً خالصاً لوجه الله تعالى ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك، ففرح المسلم بفضل الله ورحمته واستبشر به لم يضره ذلك روى مسلم عن أبي ذر قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير، ويحمده الناس عليه؟ قال: "تلك عاجل بشرى المؤمن". [18] هذه هي أقسام الرياء مع العمل نسأل الله تعالى أن يحسن نوايانا في الأمور كلها وهناك أمور - أيها الإخوة - ربما يحسبها البعض من الرياء وهي في الحقيقة ليست منه على الإطلاق ونتعرف إليها وأيضا إلى علاج الرياء بعد جلسة الاستراحة وأستغفر الله لي ولكم. المصدر: منتديات بيت حواء - من قسم: منتديات اسلامية,( على منهج أهل السنة والجماعة) N;g hgpskhj المصدر... اثبت وجودك
..
|
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
||
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
|
|