![]() |
![]() |
|
|
#1 | |
|
مدير ومالك المنتديان
![]() |
ليبرالية أم عصيان؟! مريم بنت حسن تيجاني في الحقيقة لا أريد أن أظلِمَ مفهوم الحُرية بضمها في خِطامٍ واحد مع مصطلح الليبرالية!، فهي جُزءٌ من معناه لا كل المعنى، فضلاً عن الإشكال الوارد فيهِ كمصطلح!. فالحُرية مفردة ذات مفهوم جميل.. وهي ضد العُبودية أو الرِقّ؛ أي عبودية الإنسان للإنسان. وهو المعنى الذي عُرف في كتب الفقه الإسلامي وكتب الأحكام التي بيَّنت أحكام الرقيق في بعض مسائل الشريعة وما له وما عليه. وقد عُنيت الشريعة بتحرير الرقيق، فجعلت عتق الرقاب كفارة للحنث في الأيمان، وحالات القتل الخطأ. كما رغَّبت في عِتق الرِقاب ورتَّبَت على ذلك الأجور العظيمة. ليس هذا فحسب، بل غَلَّظت العقاب على من انتهك حق الإنسان في أن يحيا حُرَّاً، فجاء في الحديث فيما يرويه صلى الله عليه وسلم عن ربِّه: "قال اللهُ: ثلاثةٌ أنا خصمهم يومَ القيامةِ: رجلٌ أعطى بي ثم غدرَ، ورجلٌ باع حرًّا فأكل ثمنَه، ورجلٌ استأجرَ أجيرًا فاستوفى منهُ ولم يُعْطِه أجرَه".[1] فما شأنُ الدين والتزامه، والانقياد والاستسلام لشرائعه وأحكامه بالنسبة للرقيق؟ كان مما يجب على الرقيق التزام الشريعة والعمل بمقتضى لا إله إلا الله شأنُهُ ذلك شأن الأحرارِ تماماً. بل ورد النص الشريف بمضاعفةِ أجر الرقيق المؤدي لحقِ الله عز وجل كما يجب في ظل إسار العبودية، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ثلاثةٌ لهم أجرانِ: رجلٌ من أهلِ الكتابِ، آمن بنبيهِ وآمن بمحمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والعبدُ المملوكُ إذا أدَّى حقَّ اللهِ وحقَّ مواليهِ، ورجلٌ كانت عِندَهُ أمةٌ يطؤها، فأدَّبها فأحسنَ أدبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها، فلهُ أجرانِ".[2] فنلاحظ تقديم حق الله عز وجل قبل حق الموالي، إذ لا أحد أعظمُ حقاً منه سبحانه وتعالى.. ثم إن عُتِق هذا الرقيق تبدَّلت الأحكام الشرعية المتعلقة به، إلى الأحكام الشرعية العامة المتعلقة بالمسلمين الأحرار سواء بسواء؛ في مباحث فقهية ذكرها الفقهاء؛ كمباحث النكاح والطلاق والميراث وأبواب العقوبات، وسائر العبادات والمعاملات. فبعد حُصُول الرقيق على حُريَّته ينتقل من وضعٍ كان قائماً به إلى آخر، ويتقيَّد بموجبِ الوضع الجديد القائم (الحرية)، بالأحكام الشرعية التي لم تكن واجبة في حقِّه، فمثلاً؛ تلزمه الجمعة وتنعقد به، بعد أن كانت غير لازمة له، ويملكُ زمام أمرهِ في صوم النفل والتطوع بعد أن كان لابد من إذنِ سيِّده. وتصح شهادتهُ، كما تصح ولايته في النكاح، بعد أن لم يكن ذلك له وهو رقيق[3]. وغير تلك الأحكام التي صدرتْ من مِشكاةِ الشريعة الإلهية، وخصَّت كل حالةٍ بما يلائمُها، ويتوافق مع وضعها القائم. وصدق ربنا تعالى: ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الملك: 14]. فلا مسيس البتة بأصلِ التشريع أو تفاصِيله - فضلاً عن الاعتراض! -، وإنما الجميعُ منقادٌ مستسلمٌ خاضع للهِ ربِّ العالمين.. وكلُ فريقٍ ملتزمٌ أحكام الشريعة الإلهية المُنزلة بحسب وضعهِ القائم.. ثم غاية ما هُنالك - إن جَهِل حكماً شرعياً في واقعةٍ ما أو أمرٍ يخُصُّ وضعه القائم -، أن يستفتي أهل العلم ليحصُل له العِلم والامتثال بعد ذلك.. مستشعراً قول ربهِ سبحانه: ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [النور: 51]. أدبٌ مع رب العِزَّة سبحانهُ وتعالى، - وإن اعتَوَرَهُ القصور والنقص بحكم طبيعة البشر الخطَّاء -.. ومن أظهر الأمثلة على ذلك قصة بريرة حين أعتِقت، فاختارت نفسها على زوجها مغيثاً - وكان رقيقاً -، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تعتد عِدة الحُرَّة ثلاث حيضات.[4] فهذا المعنى الواقعي للحرية بكل بساطة..! أما اليوم في زماننا المُعاصر فقد ارتفعت صيحاتٌ غريبة يمنة ويسرة؛ مُناديةً بحريَّةٍ من نوعٍ آخر، وبمعنىً آخر!. أو ما يُسمى بـ (الليبرالية)، فهل يُقصدُ بها معنى الحرية ومفهومها المعهود المعلوم، أم معنىً آخر؟!.. لاشك أن المقصود بها نوعٌ آخر من الحرية!، إذ لا وجود للرق أو العبودية بين الأفراد الذين يُطالبون بها، ولا في مجتمعاتهم!. فهم أحرارٌ لا يرزحون تحت رِقّ العبودية، ليُطالبوا بالحُرية..!.. لذا فلنتوقَّف قليلاً ونتساءل: مادام أولئك المُنادين بالحرية لا يُعانون مرارة العبودية ولا يرزحون تحت إسارِها، فعن أيِّ حُرِّيةٍ يتحدثون؟!، وأي نوعٍ من الحُرِّيةِ يُطالبون؟!.. ولعل المفردة التي يُنادون بها (الليبرالية)، ويُطلقونها تسميةً على اتجاههم (ليبراليين)، تُجلِّي لنا بعض المعنى وتميطُ اللثام عن المفاهيم الجديدة الناشئة عن المصطلحات الجديدة الوافدة..!.. فما هي الليبرالية؟ يعرفها صاحب المعجم الفلسفي بأنها: نظرية سياسية ترقى إلى مستوى الأيديولوجيا، إذ تزعم أن الحرية أساس التقدم(!)، فتعارض السلطة المطلقة سواءً كانت دنيوية أو دينية.[5] كما يعرِّف آخر معنى "الحر" - وفق المفهوم الفلسفي - بأنه: الذي يأتمر بما أمر القانون[6]، ويمتنع عما نهى عنه. من قبيل ذلك ما جاء في المادة (11) من إعلان حقوق الإنسان في فرنسا عام 1789م: "إن حرية الإعراب عن الفكر والرأي أثمن حقوق الإنسان، ولكلِ مواطن الحق في حرية الكلام والكتابة والنشر، على أن يكون مسؤولاً عن عمله في الحدود التي يعينها القانون. ومن قبيل ذلك أيضاً؛ ما جاء في المادة (29) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: "يخضع الفرد في ممارسة حقوقه وحريَّاته للقيود التي يُبينها القانون".[7] إذن فمفهومُ الحُرية الذي يُنادى به، بعيدٌ تماماً عن المفهوم اللغوي المعهود الذي ذكرناهُ سابقاً!.. ♦ بنود التعريف: 1) معارضة الليبرالية للسلطة المُطلقة سواءً كانت دينية أو دنيوية!. ويدخل في ذلك: حرية الكلام والكتابة والنشر. 2) وجوب الالتزام بالقانون؛ بالائتمار بأمره، والامتناع عما نهى عنه. 3) أن الحرية أساس التقدم. ♦ نقد البنود: ♦ فيما يتعلق بالبند الأول؛ فالليبرالية تعارض السلطة المطلقة سواءً كانت دينية أو دنيوية. وهذا المعنى لا غضاضة فيه إن كانت السلطة الدينية بشرية المصدر!؛ كحال الأديان الوضعية والمحرفة. فهي وما بُني عليها من أحكام وتشريعات، مجردة تماماً من صفةِ القداسة والإلزام. لكن يختلف الأمر تماماً في حال ما إذا كانت السُلطة الدينية إلهية، مصدرها الوحي الإلهي، فبذلك تكون هي وجميع ما بُني عليها من أحكامٍ وتشريعات مقدسة مُلزمة لجميع أفراد المجتمع المسلم. بل الانقياد والإذعان والتسليم لها محكُّ الإيمان بالله عز وجل. قال تعالى: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65]. وقال سبحانه: ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [النور: 51]. وقال: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴾ [الأحزاب: 36]. فهذهِ خاصية ومزية يتسم بها التشريع الإلهي عن البشري الوضعي. وأما ما يتعلق بحرية الكلام والكتابة والنشر في الإسلام، فذلك أيضاً خاضع لميزان الشريعة الإلهية. فمثلاً؛ نهتْ الشريعة عن التلفظ بكلمة الكفر مالم يكن المرءُ مُكرها، كما حرَّمت الهزء بشيء من رموز الشريعة ولو على سبيل الهزل، ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴾ [التوبة: 65] وكذلك طباعة ونشر ما يتهدد الضروريات الخمس التي جاءت الشريعة بحفظها، يدخلُ ضمن النهي الشرعي، فكيف إن تهدد المطبوع أو المنشور أهم تلك الضروريات - وهو الدين -، ككتب الزندقة والإلحاد؟!. لاشكَّ أن المسألة - مجردة[8] - لن تخضع لحرية الناس بأي شكل من الأشكال؛ لا حرية رأي، ولا حرية اطلاع، ولا حرية نشر وكتابة. • البند الثاني: وجوب الالتزام بالقانون؛ بالائتمار بأمره، والامتناع عما نهى عنه. وهل كانت الشريعة الإلهية إلا أسمى القوانين وأجداها بإطلاق؟!. ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الملك: 14]. قال تعالى: ﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ [المائدة: 49، 50]. يقول سماحة الشيخ ابن باز - رحمه الله - [9]: "وإن القارئ لهذه الآية والمتدبر لها يتبين له أن الأمر بالتحاكم إلى ما أنزل الله، أكد بمؤكدات ثمانية: الأول: الأمر به في قوله تعالى: ﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ [المائدة: 49]. الثاني: أن لا تكون أهواء الناس ورغباتهم مانعة من الحكم به بأي حال من الأحوال وذلك في قوله: ﴿ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ [المائدة: 48]. الثالث: التحذير من عدم تحكيم شرع الله في القليل والكثير، والصغير والكبير، بقوله سبحانه: ﴿ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ [المائدة: 49]. الرابع: أن التولي عن حكم الله وعدم قبول شيء منه ذنب عظيم موجب للعقاب الأليم، قال تعالى: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ﴾ [المائدة: 49]. الخامس: التحذير من الاغترار بكثرة المعرضين عن حكم الله، فإن الشكور من عباد الله قليل، يقول تعالى: ﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ﴾ [المائدة: 49]. السادس: وصف الحكم بغير ما أنزل الله بأنه حكم الجاهلية، يقول سبحانه: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾ [المائدة: 50]. السابع: تقرير المعنى العظيم بأن حكم الله أحسن الأحكام وأعدلها، يقول عز وجل: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا ﴾ [المائدة: 50]. - لا أحد -.. الثامن: أن مقتضى اليقين هو العلم بأن حكم الله هو خير الأحكام وأكملها، وأتمها وأعدلها، وأن الواجب الانقياد له، مع الرضا والتسليم، يقول سبحانه: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ، وهذه المعاني موجودة في آيات كثيرة في القرآن، وتدل عليها أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله، فمن ذلك قوله سبحانه: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور: 63]، وقوله: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ [النساء: 65] الآية، وقوله: ﴿ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ [الأعراف: 3]، وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾ [الأحزاب: 36]. روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعدي بن حاتم: "أليسوا يحلون ما حرم الله فتحلونه ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ قال: بلى، قال: فتلك عبادتهم"[10].[11] ♦ البند الثالث: الحرية أساس التقدُّم!، وهذه دعوى لا مستند شرعي لها. فإن التمكين الذي يكون معهُ الازدهار والتقدم - الحق لا الزائف! - بحسب السُنن الإلهية، إنما يكونُ بالإيمان والتقوى. قال تعالى: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [النور: 55]، وقال عز وجل: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [الأعراف: 96]. وبعد ما سبق، حُق لنا أن نتساءل أسئلة منطقية، موجهة للمؤمنين بـ (الليبرالية): س1 - هل تجدون في كتابِ اللهِ كلمة حرية بالمعنى الذي تُنادون به (ليبرالية)؟!. س2 - هل الحُرية أو ما يُسمى بـ (الليبرالية)، تتماشى مع العبودية للهِ ربِّ العالمين؟!. س3 - هل تتماشى مع مفاهيم الطاعة والاستسلام والخضوع والانقياد للهِ ربِّ العالمين؛ وهذا هو معنى الإسلام؟!. س3 - هل هُناكَ أمثلة واقعية من عصرِ النبوة تدل على مبدأ الحرية الفردية الذي تُنادون به ليل نهار؟!. بحيث يكونُ ذلك مُستنداً شرعياً لمذهبكم؟!. حسناً؛ لعلي أختصرُ بذكرِ الإجابة!.. فأما السؤال الأول؛ فيُقالُ لهم: لو استعرضتم كتاب اللهِ تعالى من الدفةِ إلى الدفة، لن تعثروا على هذه المفردة!. كلمة الحرية بالمعنى الذي أردتموه، وإنما نقيض ذلك بما يُحقق الغاية التي من أجلها خُلِقنا، وهي عبادة الله عز وجل ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56]. كما ستجدون الأمر بالامتثال لأمرِ الله تعالى في العديدِ من الآيات الكريمة، كقولهِ عز وجل: ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [النور: 51]. وقولِهِ عز وجل: ﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ [المائدة: 49، 50]. فأيُّ حكمٍ غيرُ حُكم الله تعالى - سواء كان تحكيماً لهوىً أو أحكامٍ وضعية بشرية -، هو حُكمُ الجاهلية وحكمٌ بالجاهلية.. وصاحبهُ لا يخلو من فسقٍ والعياذُ بالله.. ليس هذا فحسب، بل غلَّظت الشريعة في التحذير من ردِّ الحكم الشرعي، وعدَّتهُ معصية للهِ ورسوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴾ [الأحزاب: 36]. كما بيَّنت أن لا حُكم بعد حُكم الله عز وجل: ﴿ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [الرعد: 41]. أورد الطبري: "والله هو الذي يحكم فينفذ حكمه، ويقضي فيمضي قضاؤه، وإذا جاء هؤلاء المشركين بالله من أهل مكة حكم الله وقضاؤه لم يستطيعوا رده. ويعني بقوله: (لا معقب لحكمه): لا راد لحكمه".[12] فكيف بمن يريد استبدال حُكمهِ بحكمٍ وضعي؟! ﴿ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [العنكبوت: 51]. بل كيف بمن يلمزُ الشريعة ويتنقصها، ويُبري أقلام القدحِ فيها[13]، ليُفسح لغيرها من القوانين الوضعية لِتحِل بدلاً عن الشِرعة الإلهية، ناسياً أو متجاهلاً قول العزيز الحكيم جل في عُلاه: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الجاثية: 18]. فسمى اختياراتهم لغيرِ شِرعة الرحمن تبعيَّةً للهوى، ووصف من كانت تلك حالُهُ بأنهُ (لا يعلم).. لا يعلمون توحيد الله وشرائعه لعباده، وهم كفار قريش ومن وافقهم.[14] أم الكافرون الذين كانوا يقولون ارجع إلى دين آباءك فإنهم كانوا أفضل منك.[15] أم هم جُهَّال قريظة والنضير.[16] أم كل من لم يعلم قدر خالقه جل جلاله[17]، فآثر سوى شريعته ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [الزمر: 67]. وأما السؤال الثاني: هل الحُرية أو ما يُسمى بـ (الليبرالية)، تتماشى مع العبودية للهِ ربِّ العالمين؟!. فجوابُهُ فرعٌ عن السؤال السابق. فلا يُتصور أن يُقيم المسلمُ العبودية الحقَّة للهِ رب العالمين، ويؤديها على الوجه الذي يرضاهُ خالقه عز وجل، وهو يُنازعُ الرب سبحانه وتعالى حكمه وتشريعهُ وقضاؤه!. ويُعْمِلُ فكره اختياراً ونقداً وتعقيباً على شِرعَةِ الرب عز وجل، بل وتشويهاً وتزييفاً لبعضِ الأحداث التاريخية التي تؤيد النص الشرعي وتقف إلى جانِبِهِ، والطعن فيها، تمهيداً لتمرير مختلف التأويلات الجامحة الخارجة عن الانضباط بضوابط الشرعِ والعقل، كالدعوة للاختلاط بين الجنسين - أنموذجٌ ومثال! -.. متجاهلين أو متناسين أمرَ ربهم عز وجل: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ [البقرة: 208]. قال بعض المفسرين في معنى الآية الكريمة: ادخلوا في الإسلام وشرائعه كافة، ادخلوا في الطاعة[18]. وأورد البغوي: "نزلت هذه الآية في مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام النضيري وأصحابه وذلك أنهم كانوا يُعظِّمون السبت ويكرهون لحمان الإبل وألبانها بعدما أسلموا وقالوا: يا رسول الله إن التوراة كتاب الله فدعنا فلنقم بها في صلاتنا بالليل فأنزل الله تعالى ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ﴾ [البقرة: 208] أي في الإسلام، قال مجاهد: في أحكام أهل الإسلام وأعمالهم (كافة) أي جميعا. وقيل: ادخلوا في الإسلام إلى منتهى شرائعه كافين عن المجاوزة إلى غيره. وأصل السلم من الاستسلام والانقياد".[19] أخيراً؛ لعلي أستشهدُ بواقعةِ أحدِ الرجال في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلـم، كان يرى عدم لزومِ شريعةِ الله - في حقِ نفسه - فيما يتعلق بتحريم زوجةِ الأب..!.. فما كان منهُ إلا أن تزوَّج بامرأةِ أبيه، فبعث لهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسـلم من يقتله.. فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: "لقيتُ خالي ومعه الرَّايةُ، فقلتُ: أين تريدُ؟ قال: أرسلني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى رجلٍ تزوَّج امرأةَ أبيه من بعدِه: أن أضرِبَ عنقَه - أو أقتلُه - "[20]. وفي روايةِ الترمذي: "أن آتيهِ برأسه".[21] قال المباركفوري: "والحديث دليل على أنه يجوز للإمام أن يأمر بقتل من خالف قطعياً من قطعيات الشريعة كهذه المسألة، فإن الله تعالى يقول ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ولكنه لا بد من حمل الحديث على أن ذلك الرجل الذي أمر صلى الله عليه وسلم بقتله عالم بالتحريم وفعله مستحلا، وذلك من موجبات الكفر، والمرتد يُقتل".[22] فهذه حادثة روتها كُتبُ الحديث، تمَثِّل نوعاً من التمرد على شريعةِ الله تعالى، بإقحامِ الرأي والعقلِ والهوى في أصلِ التشريع، وعدم التسليم للأمر الإلهي. تماماً كبعض الأمثلة التي نراها في واقعنا المعاصر من جملةٍ من أبناء المسلمين.. فهل يا تُرى لو كان رسولُ الله بيننا سيأمُرُ فيهم بمثل ما أمر في ناكحِ امرأة أبيه؟!.. في الحقيقة لا يُلامُ إنسانٌ عانى غثاءاتِ عقولٍ بشرية، رُصفَتْ أفكارها في صورةِ نصوصٍ خُلِعَتْ عليها صفة القداسة، فشكَّلتْ مزيجاً دينياً محرفاً. لا يلامُ في معارضتهِ لذلك الدين المحرَّف بعقله وهواه!، فهو مهما بلغ إنما يتصادمُ مع نصوصٍ محرفة من وضعِ البشر وتحريفاتهم.. عقلٌ بشري يعارضُ آخرَ مثيله!. وإنما مُصيبةُ الدين في أن يًصادمَ عبدٌ ضعيف مربوبٌ للهِ تعالى، يصادم شريعةَ ربه بعقلهِ القاصر، ويعارض ويعقِّب على أحكامِ الله برأيهِ. فكيف إذا تناولَ الشريعة الإلهية بالإزراءِ والتنقص واللمز؟!.. فبأيِّ وجهٍ يلقى ربَّه؟!.. أو أن يعتقد أحد بأن شريعة الله ظالمة له - تعالى الله علواً كبيرا -، فهذا يُنافي النصوص الشرعية التي نفت الظلم عن الخالق جل وعلا. كما ينافي توحيد الأسماء والصفات لأن الله تعالى هو (العدل) وهو (الحكم) و(العليم). ومن مقتضيات الإيمان بهذا الاسم الإلهي الكريم (العدل)، أن يؤمن المسلم أن وقوعَ الظلمِ من الله محالٌ محال. كما أن مقتضى الإيمان بحكمة الله، أن يعتقد المسلم أن جميع التشريعات الإلهية حكيمة يصلح بها الزمان والمكان والبلاد والعباد، فيُسلِّم ويذعن وينقاد راضياً عن ربه تعالى؛ ذلك الإله العظيم الذي هو أعلم بالخلق وأحوالهم وما يُصلحهم في دنياهم وأُخراهم.. نسأل الله أن يرد العباد إليه رداً جميلاً.. وصلى الله على نينا محمد وعلى آلهِ وصحبهِ وسلم تسليماً كثيرا.. [1] رواهُ البخاري. [2] رواهُ البخاري. [3] اللباب في الفقه الشافعي. [4] فتح الباري شرح صحيح البخاري، "باب خِيَارِ الْأَمَةِ تَحْتَ الْعَبْدِ". [5] المعجم الفلسفي مراد وهبة، د.ط، 2007م، دار قباء الحديثة. ص539 [6] مما يؤسفُ له أن كثيراً ممن ينادون بالليبرالية ينقادون للقانون الوضعي البشري ويُعْظِمونه، في حين يتمردون على الشريعة الإلهية!. وأنَّى يستويان؟! - تعالى الله علواً كبيراً -. ﴿ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [العنكبوت: 51]. [7] المعجم الفلسفي جميل صليبا، د.ط، 1982م، دار الكتاب اللبناني. ج1 ص462 [8] أي بلا دواعي شرعية؛ كهدف الذب عن دين الله بالرد على تلك الأهواء والتيارات المنحرفة، وهذا يكون لذوي العلم والاختصاص. [9] وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه. ص35 [10] إسناده صحيح مرسل. [11] وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه. ص35 [12] انظر تفسير الطبري للآية الكريمة. [13] تعددت أساليب القادحين في الشريعة الإلهية؛ تارةً بإنكار حجية خبر الواحد والزعم بأنهُ لا يفيد القطع!، وتارة بجحد المصدرية التشريعية للسنة النبوية، وتارة بنعت الشريعة بالموروث والتراث لتسويغِ النقد الجامح! وتارةً بزعم ضرورة القراءة المعاصرة لمواكبةِ العصرنة والتقدمية، وكأنهما موجبتانِ لإساءة الأدب مع رب العزة سبحانهُ وتعالى. وغاب عن أولئك أن مفتاح الجنَّةِ (لا إله إلا الله)، لا تلك المصطلحات ذات المفاهيم المحادة للهِ ورسوله!. [14] فتح القدير، تفسير سورة الجاثية. [15] انظر تفسير البغوي. [16] تفسير البحر المحيط. [17] وهذا وصفٌ جامع بين الأصناف المذكورة؛ المشركون من كفار قريش ويهود. فيشابههم - في الوصف بعدم العلم - من وافقهم في دعاواهم باستبدالِ الشريعة وإن سُمي مسلماً. [18] انظر: تفسير ابن كثير، وتفسير القرطبي والطبري. [19] تفسير البغوي. ولعله يتبادر إلى ذهن دعاةِ - الليبرالية - أن الأمر لا يعدو أن يكون من قبيل الحُريةً الشخصية!، وأنهُ ما دام قد نطق بشهادة الحق ودخل في دين الإسلام فلا داعي للتشدد!!، أو تدفعُ العاطِفةُ الهوجاء ببعضهم لأن يقولوا حديثُ عهدٍ بدينهِ فلا ضير إن تُرك على ما يُحب ما دام قلبُهُ مطمئنا بالإسلام ولسانهُ لم يزل ناطقاً بشهادةِ الحق!. بينما الآية الكريمة وغيرها من الآيات والنصوص الشرعية تحسمُ هذه القضية بكلِ وضوح. [20] صححهُ الألباني. والحديث له أسانيد كثيرة منها ما رجالهُ رجال الصحيح كما أفاد بعض أهل العلم بالحديث. [21] حديث صحيح. [22] تحفة الأحوذي، حديث رقم (1362). المصدر... اثبت وجودك
..
|
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
||
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
|
|