-------------------- نَصيحة الخِلاّن -------------------------------------
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحابته الأكرمين .
وبعد عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء. رواه ابن ماجه والترمذي وغيرهما وهو صحيح الإسناد .
هذا الحديث من الأحاديث المشتهرة التي لم يعد يخلو منها كتاب أو خطبة أو موعظة تسمعها أو تقرؤها في هذه الأعصار المتأخرة، وهو،كما لا يخفى على المدقق، حديث يحوي بشارة وتسلية للمؤمنين وشدا على أيديهم كي لا يستوحشوا من قلة السالكين وكثرة المتخبطين . غير أنه بات واضحا وجليا تخبط كثير من إخواننا في فهم الحديث وتنزيله على الواقع المعاصر رغم أنه من أحاديث الأخبار المُوجبة للتصديق والتسليم وليس من أحاديث الأحكام التكليفية الموُجبة للعمل والتطبيق . بل لازلنا نلاحظ شريحة كبيرة من الأحداث المبتدئين يقلبون هذا الحديث الجميل رأسا على عقب ويجعلونه دليلا شرعيا و ركيزة أصولية لأفعالهم وأهوائهم الخالية من فهم واستنباط للمحكمات وبناء على تجارب من جرب وفات . لذلك لما ناقشنا البعض منهم حول أهمية الحاضنة الشعبية وأن الدعوات لا تقوم على النخب والتنظير من أعلى وأن دولة المدينة في العهد المدني كانت حاضنة ملائمة لإقامة النظام الإسلامي الكامل ، أجابونا بعبارات نابية غلفوها بفهمهم السطحي لحديث الغرباء.. وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على جهل القوم بالتجارب الماضية و غرقهم في الظاهرية العابرة للقارات والمجاعة العلمية في التوصيف والتنزيل.... فالحديث يرعاكم الله، من الأمور الخبرية التي تستوجب التصديق كما أسلفنا والإيمان به من الإيمان بالقضاء والقدر وليس حكما يحوي أمرا أو نهيا شرعيا، ونحن مطالبون بإيجاد الأمة المسلمة لا بالقلة المستضعفة، ونحن أيضا مخاطبون بجعل الأمة متماسكة متوحدة لا متشرذمة إلى طوائف وجماعات متناحرة بناءا على :لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم،والقابض على دينه كالقابض على الجمر وغيرها من النصوص التي لا يشك عاقل أننا نجزم ونصدق بها قطعا ويقينا , ولكن الفاصل أننا لا نجعلها غاية ومقصدا، لأن الشرع خاطب فينا الأمة فقال تعالى :كنتم خير أمة أخرجت للناس، وخاطب فينا الجماعة وحذر من الفرقة فقال:فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية. قال العلامة المناوي رحمه الله في فيض القدير: (أي أركان الدين والسواد الأعظم من أهل السنة أي إلزموا هديهم فيجب إتباع ما هم عليه من العقائد والقواعد وأحكام الدين) بل وحذر نبينا صلى الله عليه وسلم فقال : ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر )) والنصوص في ذلك كثيرة وكثيرة ..... والخوف من أن يتواصل هذا الفهم المعوج في أوساط الناس دون تنبيه ولا استدراك مما قد يوقعنا في فخ من ضل قبلنا من جماعات الغلو في مصر والجزائر وانتهاك حرمة الدماء المعصومة بأفهام بسيطة مسمومة،فالحذر الحذر ... وهنا تنبيه آخر أردنا الإشارة إليه، وهو مندرج ضمن الفهم الخاطئ أيضا ,وخلاصته تمسك البعض بلفظة من حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم قد جاء فيها : يقاتلون حتى تقوم الساعة _ أي الطائفة المنصورة_ فزعم القوم أن النجاة لا تكون إلا مع هؤلاء لهذا السبب وهذه العلامة وهو القتال مطلقا ... والناظر في سيرة المصطفى يلاحظ فهما غير فهمهم وتنزيلا غير تنزيلهم لاختلاف النظر بيننا وبينهم، ذلك أنهم يبنون الأمور والتفضيل والمنهج النقي الصحيح بناءا على نظرهم بعين الأقدار لا بعين الشرع مرة أخرى وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم في استعمال السياسة الشرعية من مهادنة ومصالحة وعهود ومواثيق تنقض ما ذهبوا إليها بإطلاق.. وأنا أذكر هذا لتذكير من ينكر علينا الدعوة والتدريس بحجة أنه منهج تصفية وتربية فاشل وأن هذا من التخذيل والجبن ,حتى وصل الأمر إلى الطعن بالرموز والكبار وكثير من طلبة العلم بالشمال والساحل والله المستعان ... وفي الختام ،نذكر بأهمية التلاحم بين النخبة و الجماهير بناءا على تجارب الماضين وعلى قراءة في سيرة سيد الأولين . والله أعلم .
4 شوال 1436 هجري
20جويلية 2015 ميلادي
المصدر...