بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فإن من مكر أعداء الإسلام أنهم بدؤوا يدخلون علينا من واقع المسائل الخلافية، فيقولون: المسألة خلافية ويجوز لك أن تأخذ بأحد القولين.
ومن المعلوم أن السلف كانوا يحذرون من هذا المسلك ويقولون: من تتبّع الرخص تزندق، فمن يأخذ في كل مسألة حصل فيها خلاف بالأسهل له أو بما يوافق هواه فإنه لا يبقى من دينه شيء، وليس هذا حال من يريد التعبد لله سبحانه وتعالى، فإن المتعبد لله يحرص على معرفة حكم الله لا البحث عن الأسهل والأيسر له.
وأنا أضرب لك أمثلة لمسائل يدندن عليها أعداء الدين من الليبرالية والعلمانية وينفّذها لهم – جهلاً أو غفلةً – بعض المسلمين:
أولاً: مسألة حكم صلاة الجماعة، المسألة مسألة خلافية مشهورة عند أهل العلم من قديم الزمان وليست مسألة حديثة، لكن بدأ يطرحها أعداء الدين لمنع إغلاق المحلات وقت الصلاة، فيقولون: لماذا تغلقون المحلات؟ الصلاة في المساجد ليست واجبة على قول جمع من أهل العلم!! ووقت الصلاة متسع!! فلماذا تجبرون الناس على إغلاق المحلات في هذا الوقت.
بعض الناس ينظر للقضية ويقول: صدقوا، وهذا من جهله، المسألة خلافية ولا شك، لكن من المعلوم أنه في الواقع لو لم نلزم بإغلاق المحلات لتساهل كثير من الناس في الصلاة، فنكون سببا في تركهم للصلاة، ولصار كثير من أصحاب المحلات لا يعني له صلاة عماله شيئا بل يمنعهم من الصلاة حرصًا على الدنيا، فلذلك كان من المفترض في هذه الحالة أن نقف وقفة صارمة وشديدة، ونقول: لا، وألف لا، لا بد أن تغلق المحلات وقت الصلاة، إظهارا لهذه الشعيرة العظيمة من شعائر ديننا الحنيف.
مسألة ثانية: وهي مسألة كشف المرأة وجهها، المسألة خلافية مشهورة قديما بين أهل العلم، لكن لما نجد أن أعداء الإسلام يدندنون حول هذه القضية خصوصا للمجتمعات المحافظة مثل المجتمع السعودي، فإنهم إنما يريدون فتح باب انحلال المرأة، وليس قصدهم المسألة الخلافية، وفي الواقع وجدنا أكثر النساء اللاتي كشفن وجوههن كشفن مع مكياج وزينة، وهذا لم يجزه أحد من أهل العلم، فالله سبحانه وتعالى منع المرأة من أن تضرب برجلها حتى لا يعلم الرجل ما تخفيه من الزينة، فقال: (ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن)، لا ما يظهرنه على وجوههن من المكاييج والزينة وما شابه ذلك.
ثم نحن ننكر على المرأة إذا كشفت وجهها بعد أن كانت تغطيه في هذه الفترة، لماذا؟ لأنها في الغالب تأثرت بالهجمة الإعلامية الشرسة التي يشنها الليبراليون والعلمانيون، فهنا لا يقال: القضية مسألة خلافية وانتهت؟ لا والله.
مسألة ثالثة: العمل المختلط للمرأة مع الرجال أو بين الرجال وكذا قيادة المرأة للسيارة، وقد أفتى العلماء المعتبرون بتحريمهما، وليستا من المسائل الخلافية أصلا؛ لأنه لا عبرة بخلاف من لم يبلغ درجة الاجتهاد، لكن لنفترض جدلا أن فيهما خلافا، فإنه لا يخفى على ذي بصيرة أن هاتين المسألتين هما أكبر المسائل التي يدندن عليها أعداء الدين، وأنهما لهم بمثابة خيط العقد الذي إذا انفرط تبعه ما بعده، ولا يخفى على عاقل ما فيهما من المفاسد العظيمة.
وهؤلاء الأعداء يُظهرون كل فترة عدد من اغترّ بمخططاتهم، ونفّذها، فيقولون: عدد النساء العاملات في أوساط الرجال زاد إلى كذا، وعدد اللائي طالبن بقيادة المرأة زاد إلى كذا، وقد يكونون كاذبين، لكن: هل ستكونين أخيتي أحد أدواتهم التي بها يفرحون؟ إني أربأ بك عن ذلك.
وأنا أضرب لك مثلا مختصرا، لو أن لك عدو من ألد أعدائك وله تجارة ناجحة ويريد أن يعمل دعاية لتجارته، وتجارته في نظرك ناجحة، ويريد أن يتخذك أنت وأنت أكبر أعدائه أداة للدعاية في تجارته، هل توافق؟ كل عاقل سيقول: لا والله لا أوافق. وكذلك هنا، فإن إظهار المرء بالاعتزاز بدينه، والتمسك بما عليه العلماء، وما فيه العفة، وما فيه مواجهة أعداء الدين من أكبر الحسنات وأعظم الفضائل، إننا في مرحلة تمايز الصفوف، فالله الله في تكثير سواد أهل الدين، وضرب أعدائه في مقتل.
والله المستعان.
المصدر...