![]() |
![]() |
آخر مواضيع المنتدى |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||||||
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#1 | |
|
مدير ومالك المنتديان
![]() |
إشكالية الفقه والسياسة في الأندلس (خلال عصر المرابطين) د. أنور محمود زناتي قامت دولة المرابطين على أسس دينية، تدعمها صفوة عسكرية، وكانت تتسم بصفات البداءة والخشونة، وكانت تميل إلى حياة الزهد الصوفي، وذلك مما خلع عليها روح التزمُّت التي دفعتها إلى عدم العناية بالحياة الفكرية والثقافية العقلية، بل الحياة الدينية الخالصة،وأما ما ظهر في بعض جوانبها من ازدهار في الحياة الفكرية الأدبية فيعزوه البعض إلى تلك الحركة الفكرية التي ازدهرت في عصر الطوائف، والتي أسبغ عليها ملوك الطوائف كل تشجيع ورعاية، وذلك كان منها ليس لذات الإزدهار الفكري، وإنما لكي يستكمل البلاط المرابطي ما ينقصه من أسباب الهيئة والبهاء، ففي ظل دولة المرابطين أحرق كتاب إحياء علوم الدين للغزالي 503 هـ / 1109 م، وذلك على عهد علي بن يوسف، ثم صدر مرسوم من تاشفين بتعقبه وتعقب كل مذهب غير مذهب الإمام مالك[1]، وقد حدثت واقعة الحرق لكتاب الإحياء قبيل عبور علي بن يوسف إلى الأندلس بأسابيع قلائل، وكان يوسف بن تاشفين على صلة طيبة بالغزالي، ولكن الأمور تغيرت في عهد ولده علي، وكان يميل إلى إيثار الفقهاء، ولا يقطع أمرًا من الأمور صغيرًا كان أو كبيرًا إلا برأيهم، وهكذا علت مكانتهم واشتد نفوذهم، حتى سيطروا فيما بعد على الدولة، وكان من أشدهم نفوذًا لدى علي قاضي قرطبة أبو عبدالله محمد بن حمدين، وكان الفقهاء عندئذ يؤثرون علم الفروع بعنايتهم، وهو علم العبادات والمعاملات، ويهملون علم الأصول، وكان لا يحظى لدى أمير المسلمين إلا من برع في علم الفروع[2]، فلما وصلت كتب الإمام الغزالي إلى المغرب والأندلس وذاع صيتها فيها، سخط الفقهاء المرابطون، وأنكروا كثيرًا من المسائل التي وردت في كتاب الإحياء، وزعموا أنها مخالفة للدين، وكان ابن حمدين من أشد الفقهاء مبالغة في ذلك، حتى إنه قال بتكفير من قرأ كتاب الإحياء، ورفع ابن حمدين، ومعه فقهاء قرطبة، الأمر إلى علي بن يوسف، وأجمعوا على وجوب مطاردة كتاب الإحياء، وإحراقه؛ فأخذ عليٌّ برأيهم، وجمع نسخ الكتاب واحتفل بإحراقها في رحبة المسجد الجامع بقرطبة أمام الباب الغربي بعد أن أشبعت جلودها بالزيت، ونفذت كتب أمير المسلمين إلى سائر أنحاء المغرب، وشدد في ذلك، حتى إنه أنذر بعقوبة الإعدام ومصادرة المال لكل من وجد عنده، واستمرت المطاردة للإحياء وباقي كتب الغزالي طوال أيام المرابطين، وجدد المرسوم بذلك في أواخر عهد تاشفين بن علب بن يوسف 358 هـ[3]. ورأى البعض أن حملة الفقهاء على كتاب الإحياء لم تكن راجعة لأمور تتعلق بالعقيدة، أو لأنه يخالف الدين في شيء، بل ترجع قبل كل شيء إلى ما ورد فيه من حملة لاذعة على علماء الفروع، والتنويه بجهلهم، وسخف مجادلتهم السطحية، وكونهم يجهلون علم الأصول[4]. قامت الدولة المرابطية على أساس من العقيدة الدينية، وكان مُنشِئَها الروحيَّ فقيهٌ متشدد، هو عبدالله بن ياسين الجزولي، واحتفظت بهذا الطابع الديني معظم حياتها، وكان يتخذ من البداية صورته العلمية في سيطرة الفقهاء على شؤون الدولة وتوجيهاتها، وفي اتجاه الجيوش المرابطية في المراحل الأولى من حياة الدولة إلى أعمال الجهاد، سواء في المغرب أو الأندلس، وكان نفوذ الفقهاء في تسيير الدولة المرابطية يتخذ أيام يوسف بن تاشفين صورة الشورى، فكان العاهل المغربي يستفتيهم في الخطير من الأمور، لا استفتاء المستسلم الخانع، ولكن استفتاء الحذر المستنير، الذي يحاول أن يطمئن على سلامة تصرفاته، وأن يلتمس لها السند الشرعي، ولكن هذا النفوذ لم يلبث أن غدا في عهد ولده علي نوعًا من الديكتاتورية الدينية (الثيوقراطية)، ولم يكن لعلي بن يوسف - بالرغم من ذكائه ونُبل صفاته، وبالرغم من ورعه وتقواه - من العزم والحزم ما يكفي لمغالبة هذا النفوذ الجارف، وهذا ما يصوره لنا المراكشي عند حديثه عن علي بن يوسف في تلك الفترة التي تبرز لنا روح الحكم المرابطي على حقيقتها[5]. واتسم العصر بالحجر على حرية الفكر، ومنه الرسالة التي وجهها أمير المسلمين تاشفين بن علي إلى فقهاء بلنسية وأعيانها وأهلها في جمادى الأولى سنة 538 هـ، إلى جانب ما تحض عليه من وجوب الرفق بالرعية، حث على مطاردة كتب البدعة، وتتبع أثرها، ويقطع بالحرق المتتابع خبرها[6]. كان القضاة الأندلسيون يتمتعون لدى العاهل المرابطي بكثير من النفوذ، وكانت لهم كلمة مسموعة في كثير من الشؤون الهامة، وكانوا في نفس الوقت رسله لتدعيم هيبته ونفوذه لدى الشعب الأندلسي، وكان من أبرز نماذج أولئك القضاة رجال، مثل: أبي الوليد بن رشد، فقد استطاع أن يقنع علي بن يوسف بتغريب النصارى المعاهدين 520 هـ،ثم كان أولئك القضاة فيما بعد، حينما اضطربت شؤون الدولة المرابطية، هم قادة الثورة ضد المرابطين في مختلف القواعد، وهم الذين تولوا حكم المدن الثائرة حتى مَقدَم الموحدين، وكان زعماء الثورة تقريبًا كلهم من القضاة؛ففي قرطبة كان زعيم الثورة قاضيها أبا جعفر بن حمدين، وفي غرناطة كان زعيمها القاضي أبا الحسن علي بن أضحى، وفي مالقة كان قاضيها ابن حسون، وفي بلنسية كان قاضيها مروان بن عبدالعزيز، وفي مرسية كان قاضيها أبا جعفر الخشني، وكان خلفه في الرياسة بعد مصرعه قطب من أقطاب الكتاب والشعر، هو أبو جعفر عبدالرحمن بن طاهر، وهذه ظاهرة تدعو إلى التأمل، ويمكن أن ترجع إلى أن بعض المرابطين استطاعوا خلال حكمهم بالأندلس أن يقضوا على معظم الزعامات الملوكية العسكرية القديمة، ولكنهم لم يستطيعوا أن يقضوا على الزعامات الفكرية، ولم يستطيعوا بالأخص أن يقضوا على نفوذ الفقهاء بالأندلس، وكان نفوذهم المستمر من خواص الحكم المرابطي ذاته[7]. ومما يروى في ذلك أن الإمام الغزالي كان يعجب بورع يوسف وجميع صفاته وميله إلى أهل العلم، حتى إنه اعتزم الرحلة إلى المغرب وزيارة الأمير الأمثل، لكنه لما وصل إلى الإسكندرية للسفر إليه ورد إليه خبر وفاته، فارتد عن عزمه، وعاد من حيث أتى[8]. ورأى البعض أن الحكم المرابطي قد جنى بأساليبه الرجعية على سير الحركة الفكرية الأندلسية، وعاقها عن التقدم والازدهار،وكل ما يمكن أن يقال في ذلك هو أن ما اتخذه المرابطون من إجراءات للحجر على الدراسات الكلامية والشرعية والفلسفية، وتوجيهها إلى وجهاتهم الخاصة، ومطاردة كتب الأصول، قد يكون له أثره في سير هذه الدراسات، وإن كان لا يحق أن نبالغ في تقدير هذا الأثر[9]. عمومًا كان الحَجْر على الفكر من أسوأ صور الحكم المرابطي المطلق، وقد عمد علي بن يوسف، بتحريض من فقهائه، على مطاردة كتب الأصول، وفي مقدمتها كتب الإمام الغزالي، ولا سيما كتاب إحياء علوم الدين سنة 503 هـ،وقد لبثت هذه المطاردة طوال العهد المرابطي[10]. هناك رسالة وجهها تاشفين بن علي بن يوسف إلى فقهاء بلنسية وأعيانها وأهلها، في جمادى الأولى سنة 356 هـ، إلى جانب ما تحض عليه من وجوب الرفق بالرعية، وإجراء العدل، وتحقيق المساواة بين الناس، والأخذ بمذهب مالك دون غيره، في الفتيا وسائر الأحكام، حثًّا على مطاردة كتب البدعة، وخاصة كتب أبي حامد الغزالي، وأنه يجب أن يتتبع أثرها، ويقطع بالحرف المتتابع خبرها، ويبحث عنها، وتغليظ الأيمان على من يتهم بكتمانها[11]. ومن الواضح أن المطاردة الفكرية لم تكن تقف عند كتب الأصول وكتب الغزالي، ولكنها كانت تشمل سائر المصنفات الكلامية والفلسفية التي تنكرها التعاليم المرابطية وغيرها مما يوصف بكتب البدعة،وكان من ضحايا هذه المطاردة عدة من المفكرين الأندلسيين، ومنهم العلامة الصوفي أبو العباس أحمد بن محمد الصنهاجي الأندلسي، المعروف بابن العريف؛ حيث نفاه أمير المؤمنين من بلدة ألمرية إلى مراكش[12]. وكان مما سهل سقوط ابن الأفطس ببَطَلْيَوس في مواجهة يوسف الدور الذي قام به الفقيه ابن إحسان الذي ولاه ابن الأفطس على شؤون الدولة، والذي رغم كونه مخلصًا له بصفته عمل على الإطاحة بحكمه في الخفاء[13]. وكان من أبرز مظاهر تمسك يوسف بأخذ آراء الفقهاء: موقفه من الضرائب والمغارم التي يسوغ للأمير فرضها على رعيته؛ فهو قد ألغى الضرائب والمكوس التي لم يُجِزِ الدين فرضها، واكتفى بفرض ما يجيزه الشرع من ذلك، مثل الزكاة وأخماس الغنائم، وجزية أهل الذمة[14]. ولولا سيطرة الفقهاء على عقول العامة وعلى ولاة الأمر، وتملق الفقهاء لهم، وتملق ولاة الأمر لفقهائهم، وضيق أفقهم الثقافي، والتعصب المحكم من العامة والفقهاء والولاة لمذهب مالك دون غيره من المذاهب الإسلامية المتفق عليها من الجماعة الإسلامية - لأخذت تنداح الدائرة الثقافية: فكرية وعقلية وإسلامية، دائرة إثر دائرة، ولشهدنا نهضة في الأندلس أزهى مما كانت عليه في المشرق العربي، خلا العلوم العقلية[15]. وقد شارك الفقيه يعلى المصمودي في موقعة الزلاقة واستُشهد فيها[16]، كما استشهد الفقيه فضل بن علي بن أحمد بن سعيد بن حزم[17]، ومنهم من شارك في المعركة ولم يستشهد، مثل الفقيه الكاتب أبي بكر محمد بن سليمان المعروف بابن القصيرة. قام القاضي ابن سهل بإخبار ابن تاشفين بانقسام جيش إمارة غرناطة وانهيار معنوياته، وترحيب سكان الإمارة بابن تاشفين لتخليصهم من حاكمها[18]، كما أن الفقيه أبا جعفر بن القليعي قام بتحريض ابن تاشفين للقضاء على ملوك الطوائف[19]، وقد كان أبو بكر بن مسكن أكثر العلماء تحريضًا لابن تاشفين للقضاء على ملوك الطوائف عامة[20]. كما أفتى فقهاء إشبيلية ابن تاشفين قائلين: "هؤلاء الرؤساء لا تحل طاعتهم، ولا تجوز إمارتهم، إنهم فساق فجرة، فاخلعهم عنا،...ونحن بين يدي الله محاسبون، فإن أذنبنا فنحن لا أنت المعاقبون، فإنك إن تركتهم وأنت قادر عليهم، أعادوا بقية بلاد المسلمين إلى الروم، وكنت أنت المحاسب بين يدي الله تعالى"[21]. كما أفتى أبو بكر الطرطوشي بجواز تنحية ملوك الطوائف عن حكمهم[22]، وهذا كان له أثره في ازدياد ثراء الفقهاء؛ فعلى سبيل المثال بلغت ثروات بعض الفقهاء ما جعلهم "يبنون المساجد ويوقفون الديار عليها"[23]، وقد تبرع أحد الفقهاء من أمواله الخاصة لبناء سور إشبيلية"[24]، كما حاز قاضي غرناطة من الضياع والعقار ما عجز ابن السقاط عن إحصائه"[25]، ومحمد بن الحسن بن كامل (ت 539 هـ) "لم يكن ببلده نظيره في سَعة الحال وكثرة المال"[26]، وكان أحمد بن جعفر بن سفيان المخزومي (ت 566 هـ) "من أهل الثروة واليسار"[27]، وعُرف إبراهيم بن ميمون الحضرمي بأنه "ذو نباهة وثروة"[28]، وكان أبو عمران الكندي "من أعيان العدوة"[29]، أما أبو بكر بن خلف الأنصاري "نال دنيا عريضة، واعتقل أموالًا جليلة"[30]، كما نال حجاج بن يوسف "دنيا عريضة، وأورث عَقِبَه نباهة"[31]، والفقيه ابن الجد "نال دنيا عريضة، واستفاد ثروة عظيمة، وإليه كانت رياسة بلده، والانفراد بها"[32]، ونال الفقيه عبدالله بن محمد المهمذاني "بخدمة السلطان دنيا عريضة"[33]،أما قاضي الجماعة أبو عبدالله بن حمدِين (ت 508 هـ / 1114 م) فقد كان مقربًا للمرابطين، "وحاز في المكانة لديهم ما لم يحُزْه غيره من السلف"[34]. كما احتكروا معظم المناصب العليا في ذلك العصر، خصوصًا خطط القضاء والفتيا والحسبة[35]، ويخلص المقري إلى أن "خطة القضاء هي أعظم الخطط عند الخاصة والعامة"[36]، وحققوا مكانة اجتماعية رفيعة، حتى إن بعضهم كان يدخل المدن دخولًا رسميًّا يشبه دخول الأمراء[37]، ويصف الكاتب ابن القصيرة دخول القاضي عياض غرناطة قائلًا: "لما ورد علينا القاضي عياض، خرج الناس للقائه، وبرزوا تبريزًا ما رأيت لأمير مؤمر مثله، وحزرت أعيان البلد الذين خرجوا إليه ركابًا نيفًا على مائتي راكب، ومن سواد العامة ما لا يحصى كثرة"[38]. ولذلك وجدنا الباجي يقول في وصيته لولديه: "هل تريان أحدًا أرفع حالًا من العلماء، وأفضل منزلة من الفقهاء، يحتاج إليهم الرئيس والمرؤوس، ويقتدي بهم الوضيع والنفيس"[39]؛ ولذلك كان الفقه بصفة عامة من أكثر التخصصات الموضوعية التي حظيت بالتأليف في الأندلس؛ فقد بلغ 136 مؤلفًا بنسبة 16،7% من مجموع المؤلفين في جميع التخصصات الموضوعية العربية، وتلاه الأدب بعدد 127 بنسبة 15،54%[40]، كما كان إقبال الطلاب في الأندلس على دراسته أكثر من إقبالهم على بقية المواد الأخرى بعامة؛ لأنه يتيح لهم الفرصة لكي يتولوا الوظائف العامة، دينية أو مدنية، وكان طلاب الفقه يملؤون المساجد، على أمل أن يحصلوا من مواطنيهم، عقب انتهاء دراستهم، على لقب "فقيه" وكان ساميًا ورفيعًا، وموضع الإجلال، حتى إنه كان يطلق على بعض الملوك تشريفًا لهم"[41]. كما كان يوسف بن تاشفين يتلقى التشجيع من العلماء والفقهاء لمواصلة نشاطه في الميدان العسكري، بدءًا من دعم حروبه ضد زناتة وضد برغواطة بفتاوى فقهية، إلى مسائل الحسم في قضايا مصيرية، مثل ضم سبتة إلى حكمه[42]، واحتل الفقهاء مكانتهم ضمن طبقة الخاصة، وأغلبهم تحالف مع السلطة المرابطية، وقد عرِف يوسف بن تاشفين بتعلقه بالفقهاء، وكانت لديه هيئة استشارية تشترك فيها طائفة منهم؛ لذلك "أجرى عليهم الأرزاق من بيت المال طول أيامه"[43]، ويذكر ابن عذاري أن يوسف بن تاشفين كان "يفضل الفقهاء، ويعظم العلماء، ويصرف الأمور إليهم، ويأخذ فيها برأيهم، ويقضي على نفسه بفتياهم"[44]. وكانت السلطة السياسية تستفتي فقهاءها عن كل شئ؛ من توسيع مسجد أو بناء سور، وكيفية التعامل مع المعاهدين من أهل الذمة، والسند الشرعي في اللجوء، إلى بناء سور مدينة مراكش، أو التساؤل عن قضايا فكرية، مثل الموقف من الأشعرية أو علم الكلام، وصفات الزندقة، والموقف من كرامات الصوفية[45]، فعندما أراد يوسف بن تاشفين هدم كنيسة ألبيرة سنة 492 هـ / 1098 م استفتى الفقهاء في ذلك[46]. كما كان علي بن يوسف بن تاشفين (500 - 537 هـ / 1106 - 1143 م) شديد الإجلال للفقهاء "يقربهم ويكرمهم"[47]، وقد "بسط حمايته لهم"[48]، وكان "لا يقطع في جميع مملكته دون مشاورتهم" [49]، وأكد ابن خلدون تلك المقولة بقوله: "فكان لحملة العلم بدولتهم مكان من الوجاهة"[50]، بل إنه غضب غضبًا شديدًا يومًا لما علم أن أحد ولاته لم يعتنِ بالقاضي ابن أسود، ولم يقابله بما يستحق من الحفاوة والتكريم، فبعث له برسالة تفيض باللوم والعتاب"[51]. كما ساعده الفقهاء على ضم سرقسطة، فقال ابن سعيد: "ونشأت نشأة من الفقهاء والمرابطين امتدت أيديهم وآمالهم، وزينوا لعلي بن يوسف أخذ بلاد الثغر من عماد الدولة"[52]، وقالوا له عن بلاد ابن هود: "الشرع يدعوك أن تسعى في أخذ تلك البلاد منهم؛ لكونهم مسالمين للروم"[53]. وقد تقرب إليه العديد من الفقهاء، من أمثال أبي بكر بن الجد، وابن القبطرنه، وابن عبدون، وابن أبي الخصال[54]. وفي عصر المرابطين أيضًا ظهر نفوذ الفقهاء في قصور الأمراء، فنفَوا من الأندلس أكثر المشتغلين بالفلسفة، فرحل الفلاسفة والعلماء والشعراء، كما رحل أيضًا المسيحيون واليهود إلى الممالك المجاورة[55]، كما حظوا بهبات وإنعامات؛ ولذا أكد المقري على أن "سمة الفقيه عندهم جليلة"[56]. ويرى بعض المؤرخين أن التعصب الأعمى عند فقهاء المرابطين في زمن الأمير علي بن يوسف كان السبب الأول في سقوط دولة المرابطين؛ فقد أسهم فقهاء المالكية في دولة المرابطين بقسط وافر في تذمُّر الرعايا، وإضعاف شأن الإمارة، واستغل بعض الفقهاء نفوذهم من أجل جمع المال، وامتلاك الأرض، وعاشوا حياة البذخ والرفاهية المفرطة. وقد أدرك المرابطون أهمية الاستناد إلى الفقهاء؛ فاستقدموا فقهاء الأندلس للعمل في حواضر المغرب (في مراكش وفاس وسبتة)، وعلى الرغم من أن هؤلاء الفقهاء القادمين من الأندلس قد عرفوا في موطنهم الأصلي جدلًا وحوارًا فكريًّا حول علم الأصول وضرورته، لكن الفقهاء لما أطلق المرابطون أيديهم في مؤسسات الدولة ووجدوا في سياسة المرابطين ما يغنيهم عن عناء التجديد، وحققوا نوازعهم القديمة في إغلاق الحوار وباب الاجتهاد، وشكلوا من جديد في المغرب وفي الأندلس في عهد المرابطين آلية الدولة الجديدة، كما كانت حالهم في الأندلس أيام الأمويين وملوك الطوائف،وبلغت سطوتهم أَوْجَهَا في الدولة المرابطية في عهد الأمير تاشفين بن علي بن يوسف بن تاشفين، فملكوا كل السلطات السياسية والقضائية والتشريعية، ونقرأ في رسالة تاشفين الموجهة إلى أهل بلنسية، وهي من تدبيج الفقهاء:"اعلموا أن مدار الفتيا ومجرى الأحكام والشورى في الحضر والبدا، على ما اتفق عليه السلف الصالح من الاقتصار على مذهب إمام دار الهجرة؛ فلا عدول لقاضٍ ولا مُفْتٍ عن مذهبه، ولا يؤخذ في تحليل أو تحريم إلا به"[57]. ولكي يحافظ بعض الفقهاء على امتيازاتهم المادية والمعنوية جعلوا أنفسهم أداة طيعة في يد الدولة؛ فهم عينها الساهرة على مصالحها، ويدها التي تضرب من يناوئها، وفكرها الذي ينظر لها، وباختصار شكلوا آلية الدولة التي تستحيل عليها السير بدونهم، وحاربوا - بلا هوادة - كل من يعارضهم الرأي من أصحاب الفكر أو المذاهب الإسلامية الأخرى، حتى صار "...لا يعرف في الأندلس إلا مذهب مالك..ويقولون: لا نعرف إلا كتاب الله وموطأ مالك....فإن ظهروا على حنفي أو شافعي ربما نفَوْه، وإن عثروا على معتزلي أو شيعي ربما قتلوه"[58]. ورأى المرابطون أن مبايعة الخليفة العباسي واجبة؛ ولذلك أعطوا بيعتهم له؛ لكونهم مالكيين سُنِّيين، فاعترفوا بالخلافة العباسية واتخذوا السواد شعارًا لهم[59]، ونقشوا اسم الخليفة العباسي على نقودهم منذ منتصف القرن الخامس الهجري، وبعد أن بسط الأمير يوسف سيادته على الأندلس طلب منه الفقهاء أن تكون ولايته من الخليفة لتجب طاعته على الكافة[60]، ونزولًا عند رغبتهم اتصل بالخليفة العباسي أحمد المستظهر بالله 487 - 512هـ / 1094م - 1118م، وأرسل إليه بعثة من عبدالله بن محمد بن العربي الإمام المعروف، وزودها بهدية ثمينة، وبكتاب يذكر فيه ما فتح الله على يده من البلاد في المغرب والأندلس، وما أحرزه من نصر للمسلمين، وعز للإسلام، ويطلب في النهاية تقليدًا بولاية البلاد التي بسط نفوذه عليها، وأدت البعثة مهمتها بنجاح؛ فتلطفت في القول، وأحسنت الإبلاغ، وعادت إلى المغرب بتقليد الخليفة وعهده للأمير يوسف بن تاشفين الذي سُرَّ بذلك سرورًا عظيمًا[61]. وبالتالي أصبح يوسف في نظر أهل الأندلس الداعي الأكبر للخلافة العباسية في الغرب الإسلامي، الذي ينبغي الانتظام في طاعته، والانضواء تحت لوائه[62]. وكانت لفتوى الفقهاء عند قادة المرابطين مكانة عظيمة، يضعونها فوق كل اعتبار، كما كانوا يرسمون السمات العامة للنمط الثقافي الفكري للدولة المغربية، كما حارب أمراء المرابطين ذوي الاتجاه الصوفي، وقاوموهم؛ أخذًا باستشارة العلماء في ذلك؛ فقد روى الناصري في الاستقصا عن أبي الحكم عبدالسلام بن عبدالرحمن بن برجان - وكان معروفًا بنزعة تصوفية - أنه لما أشخص "من قرطبة إلى حضرة مراكش، وكان فقهاء العصر قد انتقدوا عليه مسائل، قال أبو الحكم: والله لا عشت ولا عاش الذي أشخصني بعد موتي، يعني أمير المسلمين علي بن يوسف، فمات أبو الحكم، فأمر أمير المسلمين أن يطرح على المزبلة ولا يصلى عليه، وقلد فيه من تكلم فيه من الفقهاء[63]. بل إن الفقهاء كانوا يستشارون أيضًا في أمور الإدارة والحرب والسياسة الخارجية للدولة؛ فابن رشد ومعاصروه أفتَوا علي بن يوسف في بناء سور مراكش، إلى آخر تدخلاتهم، وفي سنة 515 هـ / 1121 م، عندما أراد علي بن يوسف مراجعة الملكيات العامة التي آلت إلى ملكيات خاصة منذ أيام بني عامر، استفتى الفقهاء في ذلك[64]. ويذكر المراكشي: "ولم يزل الفقهاء على ذلك وأمور المسلمين راجعة إليهم، وأحكامهم صغيرها وكبيرها موقوفة عليهم طول مدته (أي علي بن يوسف)، فعظم أمر الفقهاء" [65]. مساهمة الفقهاء في الحياة السياسية: قامت الدولة المرابطية على سيوف صنهاجة، ولكن أيضًا على هيئة الفقهاء الذين عملوا على توجيهها في كل شيء، ولا سيما فقهاء الأندلس، من أمثال الفقيه "أبي جعفر بن القليعي" قاضي قرطبة، الذي عبر إلى المغرب وأخبر يوسف بن تاشفين ببعض الأمور التي تتعلق بملوك الطوائف[66]، وكذلك هناك أبو بكر المرادي، وأبو بكر الطرطوشي[67] الذي كتب إلى يوسف بن تاشفين من الإِسكندرية مذكرة توجيهية[68]، وممن ناصر المرابطين أيضًا الفقيه أبو مطرف الشعبي[69]؛ حيث كان من الساعين لاستقدامهم، والفقيه المحدث أبو القاسم الحسن بن عمر الهوزني[70]؛ فقد ذكر المقري أنه حرض يوسف بن تاشفين على المعتمد بن عباد حتى أزال ملكه[71]. وتروي المصادر التاريخية أن يوسف بن تاشفين لما أراد أن يغزو الأندلس ويستولي عليها، ويزيح ملوك الطوائف، استشار الفقهاء في ذلك، "فأفتاه الفقهاء وأهل الشورى من المغرب والأندلس بخلعهم، وانتزاع الملك من أيديهم، وصارت إليه بذلك فتاوى أهل المشرق، مثل: الغزالي[72] والطرطوشي[73]،ولما تسمى يوسف بأمير المسلمين، وأراد أن يعقد له الخليفة العباسي المستظهر بالله بالمغرب والأندلس، كلف بهذه المهمة أحد الفقهاء الأندلسيين، وهو عبدالله بن محمد بن العربي والد أبي بكر ابن العربي، الذي رافق والده في هذه السفارة"[74]. وتذكر تلك المصادر أيضًا: أن علي بن يوسف لما أراد إدارة السور على مراكش شاور الفقهاء وأهل الخير في ذلك. هذه المكانة الرفيعة التي تبوأها الفقهاء في الدولة المرابطية أدت إلى يسر في حالتهم المعيشية؛ إذ يذكر صاحب المعجب أنه في عهد علي بن يوسف "عظم الفقهاء، وانصرفت وجوه الناس إليهم، فكثرت لذلك أموالهم، واتسعت مكاسبهم.." [75]، ويقول ابن الأثير عنه: "...ازداد في إكرام العلماء والوقوف عند إشارتهم، وكان إذا وعظه أحدهم وقف عند استماع الموعظة"، كما ذكر الناصري في الاستقصا، ووصف دارًا بناها أحد الفقهاء تدل على ذلك الثراء المفرط" [76]، كما حازوا على ثروات عقارية ومادية هائلة، حتى إن ابن السقاط عجز عن إحصاء الضياع والعقارات المملوكة لقاضي غرناطة[77]، وكان الفقيه أحمد بن جعفر بن سفيان المخزومي (ت 539) "من أهل الثروة واليسار"[78]، أما أبو بكر ابن خلف الأنصاري فقد "نال دنيا عريضة، واعتقل أموالًاجليلة"[79]. يتبع المصدر... اثبت وجودك
..
|
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
||
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
|
|