الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده أما بعد فإن طلاب العلم الشرعيّين الذين اطلعوا على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية -نوّر الله ضريحه- يجزمون بأن الرجل كان موسوعة علمية جمع الله له العلوم الشرعية فهو الفقيه المجتهد والمحدّث الجهبذ والأصوليّ البارع واللغوي النحرير أما العقيدة ومسائل التوحيد فهو فارس الميادين المتخصّص دون منازع لكن قد يخفى على بعض طلبة العلم أنّ ابن تيمية كان ممّن درس الفلسفة والمنطق بل وممّن جال وصال حتى صنّفه بعضهم ضمن فلاسفة القرن السابع يقول الدكتور البوطي في سياق الرد عليه:(وها هو في حديثه عن المنطق والفلسفة يحاور ويناقش مناقشة الخبير البصير ثم الممارس المتمكّن...) وقال أيضا في نفس السياق:(وهو كثير التعامل مع قواعد الفلسفة ومقولاتها ومفاهيمها) وقبل البوطي كثيرون من العلماء المخالفين له أو الموافقين أقروا بإجادة ابن تيمية علوم المنطق والفلسفة وتمكّنه منها وإتقانه لمبادئها ويعرف صدق هذا كل من يقرأ كتابه "الرد على المنطقيّين" وكتابه"نقض المنطق" وكتابه" درأ تعارض العقل والنقل"..إلاّ أنّ دراسة ابن تيمية للفلسفة والمنطق كانت من باب: من لمْ يعرف الشرّ من الخير يَقعْ قيه، وكيف يتمكّن الإنسان من الرد على مذهب لم يدرسه ولم يعرفه وذالك بخلاف كثير من علماء المسلمين الذين الذين اغتروا بالفلسفة واعتبروا مبادئها مقدّمات مهمّة للعلوم مثل الغزالي وأكثر متأخّري الأشاعرة بعده وكثيرا ما يناقش ابن تيمية المتكلّمين بلغة المنطق والفلسفة حتى صدرت منه عبارات قد يفهم منها غير مراده -رحمه الله- ومن المسائل اللتي بسببها شُنِّعَ على ابن تيمية مسألة "قدم نوع العالم وتسلسل الحوادث" وافتري بسببها على ابن تيمية وأسند له ما لم يخطر له على بال، وخلاصة ما في هذا الموضوع ينحصر في ثلاثة مذاهب:
أوّلا:مذهب الفلاسفة القدامى الذي يقولون بأنّ العالم قديم كقدم الله فكما أن الله قديم لا بداية له فكذالك هذا الكون قديم لا بداية له والكون بالنسبة لله كضوء الشمس للشمس لم يسبق أحدهما الآخر بل هما متلازمان وهذا مذهب باطل حكم العلماء على قائله بالكفر وقد ردّ ابن تيمية على هذا المذهب وأثبت أن الله وحده هو المختصّ بالقدم والأزلية فكلّ ما سوى الله فهو مخلوق كائن بعد أنْ لم يكن كما فصّله كثيرا في كتابه" درأ تعارض العقل والنقل". ثانيا:مذهب المتكلّمين من الأشاعرة ومن وافقهم وهؤلاء يقولون بأنّ الله قديم لكن خلقه غير قديم بمعنى كان الله معطّلا عن الفعل ثم فعل فجرّدوا عن الله صفة الخلق وقالوا أن الله خلق العالم من نقطة زمن معيّنة ما قبلها لم يكن يخلق ولا يتكلم وهذا باطل فالله لم يزل متصفا بصفاته لم يزل يخلق جلّ جلاله.ثالثا:هو مذهب أهل الحديث وهو ضد المذهبين مذهب الفلاسفة والمتكلمين فهو يقول:بأنه لا قديم إلاّ الله وكل ما سوى الله حادث كائن بعد أن لم يكن خلافا لقدماء الفلاسفة، ويثبتون لله استمراريّة اتصافه بصفاته في الماضي الذي لا بداية له والمستقبل الذي لا نهاية له فهو لم يزل ولا يزال خالقا متكلما متى شاء وكيف شاء ومن تأمّل كلام شيخ الإسلام وسبره جزم بأن ابن تيمية يقصد هذا عندما يقول" قدم نوع العالم وتسلسل الحوادث" فهذا العالم وإن كان حادثا عينا فإنه لا مانع أن يكون قديما نوعا بمعنى أن يكون قبله عالم آخر وقبله آخر لأزليّة اتصاف الله بالخلق والإنشاء فالله لم يزل يخلق كما هي عقيدة أهل السنة والغريب أن المتكلمين متناقضون في هذه المسألة ففي الوقت الذين يثبتون فيه استمراريّة اتصاف الله بصفاته في المستقبل ينفون اتصافه في الماضى بمعنى يقولون في المستقبل ولا يقولون بتسلسلها في الماضى وليت شِعْري ما الفرق بين الأمرين، هذا وتجد تفصيلا دقيقا وبحثا طويلا في هذه المسألة في كتاب الدكتورة الفاضلة كاملة الكواري المسمّى "قدم العالم وتسلسل الحوادث بين شيخ الإسلام والفلاسفة" فهذا البحث بحث نفيس قلّ أن تجد مثله في هذه القضيّة بَرّأَت فيه المؤلفة ساحة شيخ الإسلام ابن تيمية والكتاب قدّم له العلّامة الدكتور سفر الحوالي بمقدمة ماتعة..وكذالك كتاب "دعاوى المناوئين لشيخ الاسلام ابن تيمية" للشيخ الفاضل خالد السنوسي.
المصدر...