[الشذا الفيّاح من منتخبات عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح]
[المقدمة]
(العناية بكتاب تلخيص المفتاح)
- [فإن تلخيصَ المفتاح فى علمِ البلاغة وتوابعِها بإجماع من وقف عليه، واتفاق من صرف العناية إليه أنفع ُكتاب فى هذا العلم صُنف، وأجمع مختصر فيه على مقدار حجمه ألّف، ولم أزل مشغوفا بهذا الفن وله محبا، مشغول الخاطر بالعزم على التجرد إليه وإن كنت على غيره من العلوم مُكِبّا] ص 20
(عناية أهل المشرق بالعلوم)
- [وأما أهل بلاد المشرق، الذين لهم اليد الطولى فى العلوم، ولا سيما العلومِ العقلية والمنطق، فاستوفوا هممهم الشامخة فى تحصيله، واستوْلَوا بجِدّهم على جملته وتفصيله، ووَردوا مناهل هذا العلم فصدَروا من عندها بملء مسجلهم، وكيف لا وقد أجلبوا عليه بخيلهم ورجلهم، فلذلك عمروا منه كل دارس، وعبروا من حصونه المشيدة ما رقد عنه الحارس، وبلغوا عَنان السماء فى طلبه" ولو كان الدين بالثريا لناله رجال من فارس"، إلى أن خرج عنهم المفتاح فكأن الباب أغلق دونهم ] ص 20
(عناية أهل المغرب بالعلوم)
- [وظهر من مشكاة بلاد المغرب المصباح، فكأنما حيل بينه وبينهم وأدارت المنون على قطبهم الدوائر، فتعطلت بوفاته من علومه أفواه المحابر، وبطون الدفاتر، وانقطعت زهراتهم الطيبة عن المقتطف، وتسلط على العضد لسان من يعرف كيف تؤكل الكتف، فلم نظفر بعد هؤلاء الأئمة - رحمهم الله تعالى - من أهل تلك البلاد بمن مخض هذا العلم فألقى للطالب زبدته، ومخض النصح فنشر على أعطاف العاري بُردته، ولا حملت قَبول (عكس الدبور) القبول إلينا عنهم بطاقة، ولا حصلت للمتطلعين لهذا العلم على تلك الأبواب طاقة، ولا رأينا بعد أن انطمست تلك الشموس المشرقة، واندرست طبقة تحرى الفرقة، ولم يبق إلا رسوم هى من فضائلهم مسترقة] ص 21.
(ركود همم طلاب العلم وحالهم مع شروح التلخيص)
- [ولقد وصل إلينا من تلك البلاد على التلخيص شروح رحم الله مصنفيها؛ فإنهم ماتوا وهم أخيار، وبيض وجوههم فى الآخرة كما سودهم بالمعالى فى هذه الدار، لا تنشرح لبعضها الصدور الضيقة، ولا تنفتح عندها مغلقة، ولا ينقدح فيها زناد الفكر عن مسألة محققة.
يتناولون المعنى الواحد بالطرق المختلفة، ويتناوبون المشكل والواضح على أسلوب واحد كلهم قد أَلِفَه، لا يخالف المتأخر منهم المتقدم إلا بتغيير العبارة، ولا يجد له على حلّ ما أشْكل على غيره أو استشكال ما اتضح جسارة، ولا يطمع أن يذوق ما فى الاستدراك من اللَّذة، ولا تطمح نفسه لأن يقال: برز على من سبقَه وبزَّه، بل يسري خلف من تقدمه حتى فى الكلمة الفذّة، ويسير أثره حذو القُذّة بالقُذّة، قُصارى أحدهم أن يعزو أبياتا من الشواهد لقائليها، ويوسع الدائرة بما لا يقام له وزن من تكميل ناقصها، وإنشاد ما قبلها وما يليها، وينشر للراغب "مفردات الألفاظ " من واضح كلام العرب، ويذكر ما لا حرج على مخالفه من اصطلاحات لبعض أهل الأدب، ولا يزيد فى شرح عبارة المصنف على الإيضاح زَيْنًا وجد فيه أم شَيْنًا، فلو نطق التلخيص لتلا ما جئتم به "هذه بضاعتنا ردت إلينا "].ص 22
- [وها أنا قد أخرجته عن يدى وجعلته موقوفا فى سوق الاعتراض، مصروفا لمن يستحق منافعه وهو المبرأ من أمراض الأغراض، فمن نظر بعين الإنصاف، واعتبر وهو مصاف، وله بصحة الذهن اتصاف، علم أهو جدير بأن ينبذ بالعراء ويهجر هجر " واصل " للراء؟
أم هو حقيق بأن تضرب له أيدى النجباء آباط النجائب، وتُعْقَد الخناصر على ما فيه من عجائب المحاسن ومحاسن العجائب؟
فإن تصفح الناظر فيه الغلط فليصفح، ولا يكن من أناس بالأغاليط يفرحون، وليصلح ما يجده فاسدا فإن الله تعالى ذم رهطا قال فيهم: يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ] ص 27.
(إثبات نسبة قواعد الكتاب وفوائده إلى المتقدمين)
[وإنما هى عند التأمل والتحقيق من كلامهم منتزعة، وركوب لَجّة ما ركبها السابحون، وسلوك مَحَجَّة ما طرقها الشارحون، ولا سلكها الغادون والرائحون، أو ينظر أول كلامي دون آخره، ويقصُر عن دَرْك دقائقه حتى تمضيَ ساعاته حول ظواهره، فيظن أنه قد وجد تمرة الغراب، أو أنه قد سبق الهجينُ العِراب] ص 28.
(التنصيص على اسم الكتاب، وبيان ما أبدَعَ فيه من بناتِ أفكاره)
- [وسميته: (عروس الأفراح فى شرح تلخيص المفتاح) ولقد احتوى هذا الشرح بحمد الله تعالى من المباحث التى هى من بنات فكري فلم أسبق إليها، ومن هبات ذكري فما عثر أحد فيما علمت من أهل هذا الفن عليها، على جملة لا أعقد لها عددا حتى أفرغ من عدّ النجوم، ولا أعهد لها مددا سوى إلهام الحى القيوم] ص 28.
(اشتمال الكتاب على قواعد أصولية وعربية ومن الأعاريب والقواعد المنطقية والكلامية والرياضية)
(استفادة المؤلف من الده شيخ الإسلام تقي الدين السبكي)
- [واعلم أنى مزجت قواعد هذا العلم بقواعد الأصول والعربية، وجعلت نفع هذا الشرح مقسوما بين طالبى العلوم الثلاثة وأكاد أقول بالسوية، وأضفت إليه من إعراب الآيات الواقعة فيه ما هو محرر وإن كان رقيق الحاشية، ومن ضبط ألفاظ أحاديثه النبوية ما كانت خباياه من الجامع الأزهر الصحيح فى زاوية، وضمنته شيئا من القواعد المنطقية والمقاعد الكلامية والحكمة الرياضية أو الطبيعية، وأتحفته من فوائد الوالد وتحقيقه، ومن فوائد علمه الطارف والتالد وتدقيقه، ما هو تاج على هام الكواكب، وسراج إذا ادلهمّت الغياهِب، وطِراز على حُلة الطالب، وغُرّة فى جبهة العلوم ترفع عن عين اليقين الحاجب، وهو الذى تلقفتُ عنه علمَ البيان، وتكيّفت منه بكل ما منحني الله من المواهب الحسان، وأنا أسأل الله تعالى وأتضرع إليه، وأتوسل إليه بمحمد صلّى الله عليه وسلّم فإنه أكرم خلقه عليه أن يسكنه وإياى وسائر ذريته فى الجنة مكانا مرفوعا، وأن يجعل المحمول على ظهورنا من مقدمات سوء المنطق وغيره من أشكال للأعمال المنتجة للأصغر والأكبر من الأوزار موضوعا].
(بيان عدد الكتب المستفادة من شتى العلوم والكتب المصنفة في علم البلاغة مما تضمنه الشرح)
- [واعلم أننى لم أضع هذا الشرح، حتى استعنت عليه بنحو من ثلاثمائة تصنيف، وأنه تضمن الخلاصة من مائة تصنيف فى هذا العلم، منها ما وقفت عليه، ومنها ما وقفت على كلام من وقف عليه، وقال: إنه جمع بين طرفيه.
وإنى اختصرت فيه أكثر من خمسين مصنفا فى علم البلاغة وقفت عليها، لم أترك منها إلا ما هو خارج عن هذا العلم، أو قليل الجدوى فيه، أو هو فى غاية الوضوح، أو شواهد لا حاجة لها لكثرتها، أو ما زاغ البصر عنه، أو ما إن تأملته علمت أنه فاسد لا ترتضيه فمنذلك: .. ]. ص30
- ثم قال: [وإذا أردت أن تعلم مقدار ما زادته القريحة من المباحث والفوائد، فراجع هذه الكتب فإنك تعلم أن غالب ما عندك عنها رائد] 31.
شرح مقدمة صاحب التلخيص:
(هل يطلق الحمد على غير الله؟)
- [قال سيبويه، فى باب ما ينتصب على المدح: إن الحمد لا يطلق تعظيما لغير الله تعالى، وذكر فى باب آخر، أنه يقال: حمدته: إذا جزيته على حقه.
وهذا الكلام هو التحقيق، فتلخص:
أن الحمد إن أريد به التعظيم، اختص به الله سبحانه وتعالى، وإن أريد به المجاز، لا يكون خاصا، ولا يرد شئ مما سبق على هذا القول؛ فإن الحمد فيه على المعنى الجائز وهو المجاز، والثناء جنس للجميع؛ بل لأعم، فإنه يكون فى الشر. وفى الحديث مر بجنازة،" فأثنى عليها شرا" بل ربما يأتى الشكر فى الشر، كما ذكره الشيخ عز الدين بن عبد السّلام فى بعض كلامه] ص 39.
(متى تأتي بحرف الجر " على " بعد الحمد؟)
- [ قد ذكرنا أن البلاغة تقتضى ذكر المحمود عليه بلفظ" على" فى جانب النقمة، واجتنابها فى جانب النعمة، فليتنبه لهذه الدقيقة]. ص40.
(الفارق المنهجي في البحث الأصولي والبلاغي في التأكيد)
- [ليتنبه لدقيقة، وهي: أن الأصوليَّ يؤول ما يرد من ذلك حيث قدر على إرادة ما عدا الخاص بالعام، فرارا من التأكيد، حتى ذهب بعضهم إلى التزام ذلك، وجعله من المخصصات.
أما هنا: فنحن لا نفر من التأكيد، بل نحافظ عليه؛ لما فيه من البلاغة، ولا سيما فى المقامات الخطابيات].ص41
(فائدة لغوية في مسألة الأفعال " المطاوعة " من التقي السبكي)
[ورأيت بخط الوالد ما نصه: يقال: علمته فما تعلم، ولا يقال: كسرته فما انكسر؛ والفرق أن العلم فى القلب من الله يتوقف على أمور من المتعلم، ومن المعلم فكان (علَّمته) موضوعا للجزء الذى من المعلم فقط؛ لعدم إمكان فعل من المخلوق يحصل به العلم، ولا بد بخلاف الكسر، فإن أثره لا واسطة بينه وبين الانكسار]. ص 42.
(هل يطلق على غير الله " السيد " ؟)
- [وفى المسألة ثلاثة أقوال، حكاها ابن المنيّر فى المصفى:
أحدها: أن السيد يطلق على الله وعلى غيره.
والثانى: أنه لا يطلق على الله تعالى، وعزاه لمالك.
والثالث: أنه لا يطلق إلا على الله بدليل ما روى أنه صلّى الله عليه وسلّم قيل له: يا سيدنا فقال:" إنما السيد الله" ولا أدرى كيف غفل هذا القائل عما تقدم من الآيات والسنة.
ونقل فى الأذكار عنلنحاس أنه جوز إطلاقه على غير الله تعالى إلا أن يكون بالألف واللام.
قال النووى: والأظهر جوازه بالألف واللام لغير الله تعالى] ص44.
مقدمة في أهمية علوم البلاغة
(موضعان يستخدم فيه أفعل التفضيل مسبوقًا بـ مِن)
- [دخول من على أفعل التفضيل، وإنما يكون ذلك فى أحد موضعين:
الأول: أن تكون الأفراد مستوية الرتبة فى تميزها على غيرها، فيقال عن كل منها إنه الأفضل؛ لأنه بعضه فيصح ما ذكره المصنف، إن كانت علوما مستوية الرتبة.
وهيهات أن يعلم ذلك، أما إذا كانت العلوم متفاوتة، فلا يصح أن يقال عن أعلاها:
إنه من خيرها بل هو خيرها ولا يقال عما يليه: إنه من خيرها؛ لأنه ليس شيئا منه، تقول: زيد أفضل الناس، ولا يقال: من أفضلهم إلا إذا كان له مساو.
الثانى: أن يكون بعض أنواع الحقيقة أفضل أنواعها، فيقال حينئذ عن ذلك النوع: إنه خيرها فيلزم عنه أن يقال عن كل فرد من أفراده: إنه من خيرها، أى من النوع الذى هو خيرها.
ومن هذا القسم قوله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْأَنْفُسِكُمْ على قراءة فتح الفاء أى من النوع الأنفس، ولا يكون من النوع الأول؛ لأنه ليس له من يساويه فى النفاسة، فلو أراد ذلك المعنى لقال: أنفسكم دون" من" فليتنبه لهذه الدقيقة]. ص 47.
(ما غاية النحوي؟ وما غاية البلاغي؟)
- [غاية النحوى أن ينزل المفردات على ما وضعت له، ويركبها عليها، ووراء ذلك مقاصد لا تتعلق بالوضع مما يتفاوت به أغراض المتكلم على أوجه لا تتناهى، وتلك الأسرار لا تعلم إلا بعلم المعاني، والنحوى وإن ذكرها فهو على وجه إجمالي يتصرف فيه البيانى تصرفا خاصا لا يصل إليه النحوى وهذا كما أن معظم أصول الفقه من علم اللغة، والنحو، والحديث، وإن كان مستقلا بنفسه]. ص 47.
(العلاقة الوثيقة بين علمِ أصول الفقه وعلم ِ البلاغة)
- [اعلم أن علمى أصول الفقه والمعانى فى غاية التداخل؛ فإن الخبر والإنشاء اللذين يتكلم فيهما علم المعانى، هما موضوع غالب الأصول، وإن كل ما يتكلم عليه الأصولى من كون الأمر للوجوب، والنهى للتحريم، ومسائل الأخبار، والعموم والخصوص،والإطلاق والتقييد، والإجمال والتفصيل، والتراجيح، كلها ترجع إلى موضوع علم المعانى، وليس فى أصول الفقه ما ينفرد به كلام الشارع عن غيره، إلا الحكم الشرعي، والقياس، وأشياء يسيرة]. ص 48.
- [النظم: ترتيب الكلمات على حسب ترتيب المعانى فى النفس كما ذكره عبد القاهر]. ص48.؟
(العلاقة بين الشاهد والمثال)
- [والشواهد ما كان من كلام من يستدل بقوله، من كتاب، وسنة، وقول العرب، والأمثلة أعم من ذلك]. ص49.
(مسألة: إذا ورد الفعل منفيًّا فهل يتعلق المعمول بالفعل أم بالأداة؟ تارة يجوز الوجهان وتارة يرد الأصل وهو التعلق بالفعل وتارة يأتي التعلق بالأداة)
- [والذى تلخص فى ذلك على التحقيق، أنه إذا ورد شئ من تعليقات الفعل اللفظية أو المعنوية بعد النفي، فالأصل تعلقه بالفعل المنفي، لا بالنفي إلا أن يقوم دليل على تعلقه بالنفي، فيتعلق به على أحد المأخذين السابقين].ص 51
- [وقد وجدت الغالب التعلق بالفعل لا بالنفي إلا فى (حتى) فإنى لا أستحضر فى القرآن استعمال حتى بعد نفي أو نهي إلا والمقصود النفي مطلقا] ص 53.
(هل يطابق اسم " تلخيص المفتاح " مسماه؟ وما العلاقة بين الاختصار والتلخيص؟)
- [ص: (وسميته تلخيص المفتاح).
(ش): هذا الاسم إن كان عَلَمًا قصدت مناسبته، أو وصفا ففى هذه التسمية نظر من وجوه.
منها: أنه ليس تلخيصا للمفتاح، بل للقسم الثالث منه، وكأنه أحاله على ما سبق من التصريح بذلك.
ومنها: أن التلخيص يؤذن بالاقتصار والموافقة، وهو قد خالفه كثيرا، وزاد عليه كما سبق وعده به.
ومنها: أنه جعله فيما سبق مختصرا، والاختصار والتلخيص متنافيان، فالاختصار تقليل اللفظ، وتكثير المعنى . . . . . .. ... ثم قال:
ومنه تسمية المصنف هذا مختصرا، باعتبار اختصاره من المفتاح، غير أنه قد زاد ونقص، وليس ذلك شأن الاختصار. وأما التلخيص فهو الشرح كما قال الجوهرى، فهو عكس الاختصار ومادته كلها ترجع إلى البسط، فلذلك لا يجتمع مع الاختصار، إلا أن يقال: إنه لم يرد اختصاره من المفتاح، بل إنه مختصر فى نفسه، وكأنه أراد ما سبق من إزالة التطويل والحشو، ثم لا يخفى أن فى إطلاق التلخيص على المختصر استعمال المصدر بمعنى المفعول مجازا]ص 53و54.
أخوكم / أبو الهمام البرقاوي