1) سياق الآيتين يدل
على أن المراد الملائكة فإنه قال {
ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } ،{
إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد } ،{
ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } فقيد القرب بهذا الزمان وهو زمان تلقي المتلقيين قعيد عن اليمين وقعيد عن الشمال وهما الملكان الحافظان اللذان يكتبان كما قال{
ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } . ومعلوم أنه لو كان المراد قرب ذات الرب لم يختص ذلك بهذه الحال ولم يكن لذكر القعيدين والرقيب والعتيد معنى مناسب.
وكذلك قوله في الآية الأخرى {
فلولا إذا بلغت الحلقوم } {
وأنتم حينئذ تنظرون } {
ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون } فلو أراد قرب ذاته لم يخص ذلك بهذه الحال ولا قال {
ولكن لا تبصرون } فإن هذا إنما يقال إذا كان هناك من يجوز أن يبصر في بعض الأحوال ولكن نحن لا نبصره والرب تعالى لا يراه في هذه الحال ; لا الملائكة ولا البشر . وأيضا فإنه قال {
ونحن أقرب إليه منكم } فأخبر عمن هو أقرب إلى المحتضر من الناس الذين عنده في هذه الحال . وذات الرب سبحانه وتعالى إذا قيل هي في مكان أو قيل : قريبة من كل موجود ؛ لا يختص بهذا الزمان والمكان والأحوال ; ولا يكون أقرب إلى شيء من شيء .
ولا يجوز أن يراد به قرب الرب الخاص كما في قوله : {
وإذا سألك عبادي عني فإني قريب } فإن ذاك إنما هو قربه إلى من دعاه أو عبده وهذا المحتضر قد يكون كافرا أو فاجرا أو مؤمنا أو مقربا ; ولهذا قال تعالى : {
فأما إن كان من المقربين } {
فروح وريحان وجنة نعيم } { وأما إن كان من أصحاب اليمين } {
فسلام لك من أصحاب اليمين } {
وأما إن كان من المكذبين الضالين } {
فنزل من حميم } {
وتصلية جحيم } ومعلوم أن مثل هذا المكذب لا يخصه الرب بقربه منه دون من حوله وقد يكون حوله قوم مؤمنون . وإنما هم الملائكة الذين يحضرون عند المؤمن والكافر كما قال تعالى{ إ
ن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم } وقال {
ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم } وقال {
ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون } وقال تعالى{
حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون } وقال تعالى {
قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون }
ومما يدل على ذلك أنه ذكره بصيغة الجمع فقال {
ونحن أقرب إليه منكم } {
ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } وهذا كقوله سبحانه {
نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون } وقال { نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن } وقال : {
إن علينا جمعه وقرآنه } {
فإذا قرأناه فاتبع قرآنه } { }.
فإن مثل هذا اللفظ إذا ذكره الله تعالى في كتابه دل على أن المراد أنه سبحانه يفعل ذلك بجنوده وأعوانه من الملائكة ; فإن صيغة نحن يقولها المتبوع المطاع العظيم الذي له جنود يتبعون أمره وليس لأحد جند يطيعونه كطاعة الملائكة ربهم وهو خالقهم وربهم فهو سبحانه العالم بما توسوس به نفسه وملائكته تعلم ; فكان لفظ نحن هنا هو المناسب .
وكذلك قوله {
ونعلم ما توسوس به نفسه } فإنه سبحانه يعلم ذلك وملائكته يعلمون ذلك كما ثبت في " الصحيحين " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (
إذا هم العبد بحسنة كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشرحسنات وإذا هم بسيئة لم تكتب عليه فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة وإن تركها لله كتبت حسنة) .
فالملك يعلم ما يهم به العبد من حسنة وسيئة وليس ذلك من علمهم بالغيب الذي اختص الله به وقد روي عن ابن عيينة أنهم يشمون رائحة طيبة فيعلمون أنه هم بحسنة ويشمون رائحة خبيثة فيعلمون أنه هم بسيئة وهم وإن شموا رائحة طيبة ورائحة خبيثة فعلمهم لا يفتقر إلى ذلك بل ما في قلب ابن آدم يعلمونه بل ويبصرونه ويسمعون وسوسة نفسه ، بل الشيطان يلتقم قلبه فإذا ذكر الله خنس وإذا غفل قلبه عن ذكره وسوس ، ويعلم هل ذكر الله أم غفل عن ذكره ويعلم ما تهواه نفسه من شهوات الغي فيزينها له . وقد ثبت في " الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذكر صفية رضي الله عنها (
أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ) . وقرب الملائكة والشيطان من قلب ابن آدم مما تواترت به الآثار سواء كان العبد مؤمنا أو كافراً.
وإما أن تكون ذات الرب في قلب كل أحد كافر أو مؤمن فهذا باطل لم يقله أحد من سلف الأمة ولا نطق به كتاب ولا سنة بل الكتاب والسنة وإجماع السلف مع العقل يناقض ذلك . ولهذا لما ذكر الله سبحانه قربه من داعيه وعابديه قال {
وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان } فهنا هو نفسه سبحانه وتعالى القريب الذي يجيب دعوة الداع لا الملائكة ، وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته (إن
كم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا قريبا إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته ) . وذلك لأن الله سبحانه قريب من قلب الداعي فهو أقرب إليه من عنق راحلته. وقربه من قلب الداعي له معنى متفق عليه بين أهل الإثبات الذين يقولون إن الله فوق العرش ومعنى آخر فيه نزاع .
فالمعنى المتفق عليه عندهم يكون بتقريبه قلب الداعي إليه كما يقرب إليه قلب الساجد كما ثبت في " الصحيح (
أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)
فالساجد يقرب الرب إليه فيدنو قلبه من ربه وإن كان بدنه على الأرض . ومتى قرب أحد الشيئين من الآخر صار الآخر إليه قريبا بالضرورة . وإن قدر أنه لم يصدر من الآخر تحرك بذاته كما أن من قرب من مكة قربت مكة منه . وقد وصف الله أنه يقرب إليه من يقربه من الملائكة والبشر فقال {
لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون } وقال {
والسابقون السابقون } {
أولئك المقربون } وقال تعالى {
فأما إن كان من المقربين } {
فروح وريحان وجنة نعيم } وقال تعالى {
عينا يشرب بها المقربون } وقال{
أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب } وقال {
وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا }
(مجموع الفتاوى الجزء الخامس/صفحة 508.-511)
2)هذا كما أن لفظ (إنّا) و (نحن) وغيرهما من صيغ الجمع يتكلم بها الواحد له شركاء في الفعل ويتكلم بها الواحد العظيم الذي له صفات تقوم كل صفة مقام واحد وله أعوان تابعون له لا شركاء له.
فإذا تمسك النصراني بقوله تعالى : {
إنا نحن نزلنا الذكر } ونحوه على تعدد الآلهة كان المحكم كقوله تعالى {
وإلهكم إله واحد } ونحو ذلك مما لا يحتمل إلا معنى واحدا يزيل ما هناك من الاشتباه ; وكان ما ذكره من صيغة الجمع مبينا لما يستحقه من العظمة والأسماء والصفات وطاعة المخلوقات من الملائكة وغيرهم .
(مجموع الفتاوى الجزء الثالث/صفحة 64 )
المصدر...