"وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (16) قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ۖ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17) وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ (18)"
و بقى لديهم آخر خطوة فى تدبيرهم, و أصعبها, فإنهم إن كانوا قد قدروا على يوسف لصغره و ضعف قوته, فإن إقناعَ أبيهم ليس بالأمرِ اليسير, فرجعوا إلى أبيهم بغيرِ يوسف عليه السلام, فى حالةِ بكاءٍ مفتعلةٍ فى غير وقتِ العودةِ المعتاد, إذ أن موعدَ العودةِ من معظمِ أشغالِ الرعى أو الزراعةِ هو قبل الغروب, إلا أنهم, كما ذكرنا, لاختيارهم بئراً بعيدةً على طريقِ القوافلِ جاؤوا أباهم عشاءً ليفجعوه بأخوفِ ما يخافه على ابنه, بقصةٍ ركيكة لا أصل لها و لا فرع, لم يحكموا أركانها لعجلتهم فى التخلصِ من يوسف عليه السلام, للدرجة التى جعلتهم يحتجُّون بحجة أبيهم من قبل, و التى دفعوها عن أنفسهم بشدة.
و بغير الإستعانة بالإسرائيليات و رواياتها العديدة, فإن كتاب الله العظيم و سنة رسوله الكريم حسبنا و كفى, و آياتُ الكتابِ تنبئُ بالكثير؛ فما قصُّوه على أبيهم عارٍ من المنطق تماماً, فادعوا بأنهم ذهبوا يستبقون و تركوا يوسف عند متاعهم فأكله الذئب؛ و هذا الكلام لا يخرج من عصبة أبداً, لأن فيهم الصحيح و المريض, و القوى و الضعيف, و الحريص و المقصِّر, و أبوهم أعلمُ بهم جميعاً؛ ثم أن غايةَ ترك يوسف عند متاعهم غير مفهومة, فهو لا يقدر على حماية نفسه, فضلاً عن متاعهم, و عليه فقد كان باستطاعتهم التسابق فى اليوم السابق أو اللاحق, و ليس يوم صحبة يوسف إن لم يدبروا أمراً؛ و يعقوب عليه السلام رعى الغنم من قبل هذا, و ذلك لقول رسول الله صلى الله عليه و سلم: " ما من نبي إلا وقد رعى الغنم . قالوا : وأنت يا رسول الله ؟ قال : نعم ، كنت أرعاها بالقراريط لأهل مكة " . رواه البخاري؛ لذا فهو أعلم بطبائع الذئب, و الذئب إنما ينشط من الغروب إلى الفجر, بل لا يهاجم الإنسان إلا فى قطيع, كما أنه يستطيع أكل الحيوانات الصغيرة و بعض الفاكهة, و عليه فهجومه على يوسف ضعيف الإحتمال.
ثم أنهم أرادوا إنهاء الأمر ببساطةٍ غريبةٍ, و قصةٍ مبتورةٍ, لا تتناسب مع حجم النازلة, و كأن التهام الذئب ليوسف كان ابتلاعاً, فأين ما تبقى منه, و لم يذكروا أنهم واروه التراب, بل لا يبدو عليهم آثار الدم أو الحفر, بل إنهم أرادوا إضفاء الصدق عنوةً على العدم بإحضار قميصه مخضباً بالدماء, و لم يدركوا أن أول خاطرةٍ تخطر على الرائى أو السامع هى : "لماذا خلعوا عنه القميص أصلاً, إن لم يكونوا أبرموا أمراً, و أرادوا عليه دليلاً", فزادوا الأمر سوءاً؛ ثم أنهم يعلمون حق العلم استحالة ما ادَّعوه, فاعترفوا بهذا حين زادوا أباهم تأنيباً فظاً, و اتهموه بأنه لن يصدق روايتهم الغير منطقية, و الضعيفة لدرجة الاستحالة, و لكنها حدثت !!!
و الأمر إذا أدبر بغير وجهه, و بينهما أحداث غير منطقية و عنت, فهو خدعة بلا أدنى شك, و يعقوب عليه السلام كان نبياً من بيت نبوة أصيل, فهو لم يكن ضعيفاً, و لا مغلوباً على أمره, فالمؤمن كيِّسٌ فطن, فما بال الأنبياء, و هو لا يحكم بالهوى, فهذا الضلال, و لا يُحسن الظن فى غير مكانه, فهذه السذاجة؛ فأجابهم إجابة الواثق من عقله و علمه, بأنهم إنما فعلوا فعلة سوء, ثم لم يطالبهم بردِّه لعلمه أنهم قاتِلوا يوسف قاتِلوه, و لن يعيدوه أبداً لادعائهم أنه مات, فقطعوا على أنفسهم طريق العودة عن الباطل إلا بالفضيحة, فتركه لحاله و استعان بالله سبحانه على الصبر على مصيبته, ثم أخبرهم أن ما قالوه له لا هو واقعٌ, و لا هو قصةٌ, و لا هو منطقىٌ, بل هو مجرد شئ يصفونه, و هذا هو ما يجب فعله مع أهل الباطل كى لا يستطيلوا على الناس بسوء صنيعهم, و يشعرون أنهم حازوا قبول أفعالهم, بل يجب إشعارهم بالصغار و بأنهم لا يُعجِزون.
و المؤمن الفطن لا يُكَذِّب عينه و أذنه, و ينقاد إلى هوى غيره فيتردَّى و تكون عاقبة أمره خسراً فى الدنيا قبل الآخرة, و ذلك كما ارتد عقبة بن أبى معيط عن إسلامه و آذى الرسول صلى الله عليه و سلم فى غير موقفٍ, موافقةً لهوى صاحبه أمية بن خلف الجمحى, فكان عاقبته أن أمر الرسول بقتله وحيداً من بين اسرى بدر, و نزل فيه قرآناً يتلى إلى يوم الدين, " وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا (29)" الفرقان.
ذلك مما رأيت, فإن كان حسناً فبفضل الله و منته, و إن كان خطئاً فمن نفسى و من الشيطان فأبرأ منه و أستغفر الله تعالى عليه.
المصدر...