نصوص أئمة المالكية في الاختلاف في تكفير أهل الأهواء بمآل قولهم
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا جمعٌ لنصوص أئمة من كبار أئمة المالكية، المقصود الأصلي منه إثبات النقل عنهم في أنهم يرون مسألة تكفير أهل الأهواء بمآل قولهم من المسائل التي اختلف فيها عن الإمام مالك، أو غيره من أهل العلم، والله الموفِّق.
أولًا: الإمام أبي الوليد ابن رشد الجد رحمه الله تعالى:
هذا سردٌ لكلام الفقيه أبي الوليد ابن رشد المالكي رحمه الله تعالى في شرحه لكتاب المستخرجة أو العتبية المسمى البيان والتحصيل، وهو يتضمن أمورًا، وهي: تقسيمه أهل الأهواء إلى ثلاثة أقسام، وتعيينه القسم الذي جاء عن الإمام مالك الاختلاف في القول بتكفيرها، أي: جاءت عنه رواية بالتكفير، ورواية بعدمه، وأنهم القدرية (النافين للمشيئة وخلق الأفعال) وأشباههم من الخوارج والمعتزلة والروافض والمرجئة، وبيانه أن القول بتكفير هذا القسم من أهل الأهواء إنَّما هو مبني على التكفير بمآل قولهم لا صريحه، وبيانه ما ينبني على القول بالتكفير وعدمه من أحكام:
قال رحمه الله في البيان والتحصيل (17 / 201 – 202): ( أهل الأهواء على ثلاثة أقسام:
- قسم يكفرون بإجماع: وهم الذين اعتقادهم كفر صريح، كالذين يقولون: إن جبريل أخطأ بالوحي، وإنما كان النبي علي بن أبي طالب.
- وقسم لا يكفرون بإجماع: وهم الذين لا يؤول قولهم إلى الكفر إلا بالتركيب، وهو أن يقال: إذا قال كذا وكذا، فلزمه عليه كذا أو كذا وإذا قال كذا وكذا لزمه عليه كذا وكذا، حتى يؤول بذلك إلى الكفر.
- وقسم يُختلَف في تكفيرهم وهم الذين يعتقدون مذهبًا يسد عليهم طريق المعرفة بالله تعالى، كنحو ما يعتقده القدرية والمعتزلة والخوارج والروافض، فروي عن مالك أنهم يكفرون بمآل قولهم، قاله في أول سماع ابن القاسم من كتاب المحاربين والمرتدين، فيُستتابون على هذا القول كالمرتد .
وقيل: إنهم لا يكفرون بمآل قولهم لقول النبي - عليه السلام - في المثل الذي ضربه فيهم: (وتتمارى في الفرق)، لأنه يدل عن الشك في خروجهم عن الإيمان، وإذا شك في خروجهم عن الإيمان وجب ألا يحكم بكفرهم إلا بيقين فيضربون على هذا القول، كما فعل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بصبيغ ولا يقتلون. وبالله التوفيق) .
وفي البيان والتحصيل أيضًا (16/362-364): ( مسألة: قال مالك: قال آية في كتاب الله أشد على أهل الاختلاف من أهل الأهواء من هذه الآية: (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) [آل عمران: 106] ويقول الله: (فأما الذين اسودت وجوههم) [آل عمران: 106] الآية، قال مالك: فأي كلام أبين من هذا؟ قال ابن القاسم وروايته تأولها على أهل الأهواء قال ابن القاسم: قال مالك: إنما هذه الآية. لأهل القبلة، قال مالك: كان هاهنا رجل يقول والله ما بقي دين إلا وقد دخلت فيه، يعني الأهواء فلم أر شيئا مستقيما، يعني بذلك فرق الإسلام فقال له رجل: أنا أخبرك، ما شأنك لا تعرف المستقيم لأنك رجل لا تتقي الله، قال تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} [الطلاق: 2] قال سحنون: بلغني أن الذي قال له ذلك القاسم بن محمد.
قال محمد بن رشد : تأويل مالك لهذه الآية في أهل القبلة يدل على أنه رآهم كفارًا بما يؤول إليه قولهم، وذلك في:
- مثل القدرية الذين يقولون إنهم خالقون لأفعالهم قادرون عليها بمشيئتهم وإرادتهم دون مشيئة الله، لم يرد الكفر والعصيان من عباده ولا شاءه ولا قدره عليهم، ففعلوه هم بمشيئتهم وقدرتهم وإرادتهم.
- وفي مثل المعتزلة الذين ينكرون صفات ذات البارئ عز وجل من علمه وكلامه وإرادته وحياته إلى ما سوى ذلك من الأشياء التي تسد عليهم طريق المعرفة بالله تعالى.
- وأشباههم من الروافض والخوارج والمرجئة.
لأن هؤلاء ونحوهم هم الذين يختلف في تكفيرُهم بما لقولهم، فيرى من يكفرهم بما لقولهم على من صلى خلفهم إعادة الصلاة في الوقت وبعده ويستتيبهم، أسروا بدعتهم أو أعلنوها، على ما قاله في رسم يدبر من سماع عيسى، فإن تابوا وإلا قتلوا كما يفعل بالمرتد.
ولا يرى من لا يكفرهم بما لقولهم إعادة الصلاة على من صلى خلفهم ولا استتابهم وإنما يفعل بهم كما فعل عمر بن الخطاب بصبيغ من ضربه أبدًا حتى يتوب، ومنهم من يستحب له إعادة الصلاة في الوقت، ومنهم من يفرق بين أن يكون الإمام الذي تؤدى إليه الطاعة أو غيره من الناس حسبما مضى القول فيه في رسم الصلاة الثاني من سماع أشهب من كتاب الصلاة.
ومن أهل الأهواء ما هو اعتقادهم كفر فلا يختلف في تكفيرهم.
ومنه ما هو خفيف لا يؤدي بمعتقديه إلى الكفر إلا بالتركيب، وهو أن يلزم على قوله ما هو أغلظ منه وعلى ذلك الأغلظ ما هو أغلظ حتى يؤول به ذلك الأغلظ إلى الكفر فهذا لا يكفر به بإجماع).
وفي البيان والتحصيل (16/ 380-383) أيضًا: ( ومن كتاب الأقضية الثالث: وسئل مالك عن القدرية فقال: قوم سوء فلا تجالسوهم، قيل: ولا نصلي وراءهم؟ قال: نعم، وقال سحنون: كان ابن غانم يقول في كراهية مجالسة أهل الأهواء: أرأيت لو أن أحدكم قعد إلى سارق في كمه بضاعة، أما كان يختزنها منه خوفًا أن يغتاله فيها فلا يجد بدًا أن يقول: نعم، قال: فدينكم أولى بأن تحرزوه وتتحفظوا به.
وسئل عن الرجل يكون بينه وبين الرجل من أهل القدر في ذلك منازعة حتى يبقى يأتيه القدري فيأخذ بيده ونتصل إليه، فقال إن كان جاء نازعًا تاركًا لذلك فليقبل منه ذلك وليكلمه، وإن لم يكن جاء لذلك فإني أراه في سعة من ترك كلامه، قيل له: إنه قد يتشبث ويتعلق ويأخذ بيدي ويسألني الكلام؟ فقال: لا أرى بأسا أن يترك كلامه.
قال محمد بن رشد: قول مالك في هذه الرواية في أهل القدر إنهم قوم سوء فلا يجالسوا ولا يصلى وراءهم، نصٌّ منه على أنهم لا يكفروا باعتقادهم خلاف ظاهر قوله في أول رسم من سماع ابن القاسم آية في كتاب الله أشد على أهل الاختلاف من أهل الأهواء من هذه الآية: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} [آل عمران: 106] الآية، قال: فأي كلام أبين من هذا، قال ابن القاسم: ورأيته تأولها على أهل الأهواء.
فالقدرية عند عامة العلماء كفار؛ لأنهم نسبوا إلى الله تعالى العجز والجهل في قولهم: إن الله لم يقدر المعاصي ولا الشر، وإن ذلك جار في خلقه وسلطانه بغير قدرته ولا إرادته، فنفوا القدرة والإرادة في ذلك عن الله تعالى، ونسبوها لأنفسهم، حتى قال بعض طواغيتهم: إنه لو كان طفل على حاجز بين الجنة والنار لكان الله تعالى موصوفا بالقدرة على طرحه إلى الجنة، وإبليس موصوفا بالقدرة على طرحه في النار، وإن الله لا يوصف بالقدرة على ذلك، وزعموا أن خلاف هذا كفر وشرك، وعند بعضهم قوم سوء ضلال لأنهم خالفوا أهل السنة والجماعة في عقود الدين؛ لأن الله تعالى أضلهم وأغواهم ولم يرد هداهم وعمى بصائرهم عن الحق ولم يرد شرح صدورهم له، كما قال تعالى: (فمن يرد الله أن يهديه) [الأنعام: 125] الآية، وقد تواترت الآثار بإخراجهم عن الإسلام وإضافتهم إلى أصناف الكفر، من ذلك قول النبي - عليه السلام -: «القدرية مجوس هذه الأمة» «والقدرية نصارى هذه الأمة» وقوله: «صنفان من أمتي ليس لهم نصيب في الإسلام، المرجئة والقدرية،» وقوله: «لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة القدرية، لا تعودوهم إذا مرضوا، ولا تصلوا عليهم إذا ماتوا» وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «اتقوا هذه القدرية، فإنها شعبة من النصرانية» ومن مثل هذا ونحوه كثير.
وقد نهى مالك عن مجالستهم، وإن لم يرهم كفارا بما لقولهم على هذه الرواية لوجوه ثلاثة:
أحدها: أنهم إن لم يكونوا كفارا فهم زائغون ضلال يجب التبرؤ منهم وبغضهم في الله؛ لأن البغض في الله والحب فيه من الإيمان، وقد قال تعالى: {لا تجد قوما} [المجادلة: 22] الآية، وهم ممن حاد الله ورسوله باعتقادهم الفاسد الذي خرجوا به عن الملة في قول كافة الأمة.
والوجه الثاني: مخافة أن يعرض بنفسه سوء الظن بمجالستهم فيظن به أنه يميل إلى هواهم.
والثالث: مخافة أن يستمع كلامهم فيدخل عليه شك في اعتقاده بشبههم، وكفى من التحرير عن ذلك المثل الصحيح الذي ضربه مالك في رواية ابن غانم عنه.
ونهى عن الصلاة خلفهم على مقتضى هذه الرواية من أنهم كفار؛ لأنهم وإن لم يكونوا كفارًا هم زائغون ضلال، وقد قال النبي - عليه السلام -: «أئمتكم شفعاؤكم، فانظروا بمن تستشفعون» فإن صلى خلفهم على هذه الرواية أعاد في الوقت، وهو مذهب ابن القاسم، وقيل: لا إعادة عليه، وهو مذهب سحنون وكبار أهل مذهب مالك.
وأما على القول بأنهم يكفرون بما لقولهم فيعيد من صلى خلفهم في الوقت وبعده، وهو قول محمد بن عبد الحكم، وقد فرق في ذلك بين أن يكون هو الوالي الذي تؤدى إليه الطاعة أو غيره، وقد مضى هذا في أول رسم من سماع ابن القاسم، وقوله في الذي غايظه القدري في منازعته إياه ثم جاءه متنصلا إليه: إنه لا يكلمه حتى يعلم صحة متنصله مما قال وتوبته عنه، وأنه إنما يريد بكلامه معه التثبت في اعتقاد أهل السنة، وأما إن لم يعلم صحة ذلك فله سعة في ترك كلامه كما قال، مخافة أن يظهر له التنصل والتوبة وغرضه أن يسمعه شبهة رجاء أن يشككه في اعتقاده، فمن الحظ له أن لا ينعمه عينا بذلك، وبالله التوفيق.
في السلام على أهل القدر وسئل مالك عن أهل القدر أيسلم عليهم؟ قال: لا يسلم عليهم. قال ابن القاسم: وكأني رأيته يرى ذلك في أهل الأهواء كلهم ولم يبينه. قال: قال ابن القاسم: وذلك رأيي أن لا يسلم عليهم.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه لا يسلم على أهل القدر ولا على أهل الأهواء كلهم، يريد الذين يشبهون القدرية من المعتزلة والروافض والخوارج، إذ من الأهواء ما هو كفر صريح لا يختلف في أن معتقده كافر، ومنه ما هو هوى خفيف لا يختلف في أنه ليس بكفر. ويحتمل أن يريد أنه لا يسلم عليهم على وجه التأديب لهم والتبري منهم والبغضة فيهم [لله تعالى] لا أنهم عنده كفار بمآل قولهم، ويحتمل أن يريد أنه لا يسلم عليهم لأنهم عنده كفار بمآل قولهم، فقد اختلف قوله في ذلك: فله في أول سماع ابن القاسم من كتاب المحاربين والمرتدين ما يدل على أنهم كفار عنده بمآل قولهم، وله في رسم الأقضية الثالث من سماع أشهب منه ما يدل على أنهم ليسوا عنده بكفار، وذلك أنه قال فيهم: إنهم قوم سوء، فلا يجالسون ولا يصلى وراءهم.
وله مثل ذلك في رسم الصلاة الثاني من سماع أشهب في الواقفية والإباضية، لأنه سئل فيه عن الصلاة خلفهم، فقال: لا أحب، وعن السكنى معهم؟ فقال: ترك ذلك أحب إلي. وقد مضى في المواضع المذكورة الكلام على هذا مستوفى مشروحا مبينا فتركت ذكره هاهنا اكتفاء بذلك، وبالله التوفيق).
وفيه أيضًا (18/210-211) ( في مجالسة القدرية والحجة عليهم: وسألته عن مجالسة القدرية وكلامهم، فقال لي: لا تكلمهم ولا تقعد إليهم إلا أن تجلس إليهم تغلظ عليهم. قلت: إن لنا جيرانا لا أكلمهم ولا أخاصمهم، فقال: لا تجالسهم عادهم في الله، يقول الله عز وجل: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله) [المجادلة: 22] فلا توادهم. قال مالك: ما أبين هذا في الرد على أهل القدر، (لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم) [التوبة: 110] وقوله تعالى: (أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) [هود: 36] فهذا لا يكون أبدًا ولا يرجع ولا يزال. قال: وسئل عن عيادة أهل القدر، قال: لا تعودوهم ولا تحدث عنهم الأحاديث.
قال محمد بن رشد: نهي مالك - رحمه الله - في هذه الرواية عن أن يجالس أهل القدر أو يؤاخوا أو تحمل عنهم الأحاديث يدل على أنه لم يرهم كفارا بمآل قولهم الذي يعتقدونه ويدينون به، مثل قوله في هذا السماع من كتاب المحاربين والمرتدين: إنهم قوم سوء فلا يجالسون ولا يصلى وراءهم، خلاف قوله فيهم في أول سماع ابن القاسم منه. وقد مضى هنالك من القول فيهم ما فيه كفاية، والحجة عليهم فيما يعتقدونه بالآيتين المذكورتين بينة ظاهرة، لأن الله أعلم فيهما بما يكون من عباده وهم يقولون إنهم خالقون لأفعالهم فلا يعلم الله ما يفعلونه مما لا يفعلونه حتى يفعلوه، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا).
وفيه أيضًا: وقال ابن داود عن ابن كنانة أنه قال: أهل الأهواء أهل بدع وضلالة، وليس ذلك بالذي يخرجهم عندنا من الإسلام.
قال محمد بن رشد: قول ابن كنانة هو قول أصحاب مالك: أشهب، والمغيرة، وغيرهم، أن أهل البدع والأهواء لا يكفرون بمآل قولهم، ولا يعيد الصلاة من صلى خلفهم على ما وقع من ذلك في رسم يدبر ماله من سماع عيسى من كتاب المحاربين والمرتدين. ودليل هذا القول قول رسول الله- صلى الله عليه وسلم - وتتمارى في الفوق، فأخبر- صلى الله عليه وسلم - أنه يشك في خروجهم من الدين، ومن شك في خروجه من الدين فلا يحكم أنه خرج منه إلا بيقين.
وقد جاء عن مالك ما يدل على أنه حكم لهم بحكم الكفار بمآل قولهم، وهو تأويله فيهم قول الله عز وجل: (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم) [آل عمران: 106] على ما وقع له في أول سماع ابن القاسم من كتاب المحاربين والمرتدين.
وهذا ليس على عمومه في جميع أهل البدع والأهواء، إذ من البدع والأهواء ما لا يكفر معتقده بإجماع، وهو ما لا يؤول بمعتقده إلى الكفر إلا بالتركيب، وهو أن يلزم على قوله ما هو أغلظ منه، وعلى ذلك الأغلظ ما هو أغلظ حتى يؤول به ذلك إلى الكفر، فهذا لا يكفر بإجماع. وهذا مثل الذي يعتقد أن علي بن أبي طالب أفضل من أبي بكر وعمر - رضي الله عنهم -.
ومنها ما هو معتقده كافر بإجماع، وهو ما كان كفرا صريحا، كالذي يقول إن جبريل أخطأ بالوحي وإنما كان النبي علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، وما أشبه ذلك.
ومنها ما يختلف في تكفير معتقده بمآل قولهم، وذلك:
- مثل القدرية الذين يقولون إنهم قادرون خالقون لأفعالهم بمشيئتهم وإرادتهم دون مشيئة الله وإرادته، وإن الله لم يرد الكفر ولا العصيان ولا شاءه ولا قدره عليهم ففعلوه بقدرتهم ومشيئتهم وإرادتهم، دون مشيئة الله عز وجل وإرادته.
- وفي مثل المعتزلة الذين ينكرون صفات ذات الباري جل وتعالى من علمه وحياته وكلامه وإرادته إلى ما سوى ذلك من الأشياء التي تسد عليهم طريق المعرفة بالله جل وتعالى، وأشباههم من الروافض والخوارج والمرجئة، لأن هؤلاء ونحوهم هم الذين يختلف في تكفيرهم بمآل قولهم:
فيرى من يكفرهم بمآل قولهم على من صلى خلفهم إعادة الصلاة في الوقت وبعده، ويستتيبهم أسروا بدعتهم أو أعلنوها على ما قاله في رسم يدير ماله من سماع عيسى من الكتاب المذكور، فإن تابوا وإلا قتلوا كما يفعل بالمرتد.
ولا يرى من لا يكفرهم بمآل قولهم إعادة الصلاة على من صلى خلفهم ولا استتابتهم، وإنما يفعل بهم كما فعل عمر بن الخطاب من ضربه أبدا حتى يموت، ومنهم من استحب له إعادة الصلاة في الوقت، ومنهم من يفرق بين أن يكون الإمام الذي تؤدى إليه الطاعة أو غيره من الناس حسب ما مضى القول فيه في رسم الصلاة الثاني من سماع أشهب من كتاب الصلاة، وبالله التوفيق).
ثانيًا: الإمام أبي عبد الله المازري رحمه الله تعالى:
وهو يتضمن تقرير ما قرّره ابن رشد من أن مرد الاختلاف في أهل الأهواء الذين اختُلف في تكفيرهم كالمعتزلة إلى مسألة التكفير بالمآل:
قال في (المُعلِم بفوائد مسلم) (2/ 36 – 37): ( وفي حديث الخوارج من إخباره عليه السلام عن الغيوب ما يعظم موقعه منها إشارته - صلى الله عليه وسلم - إلى ما يكون بعده من اختلاف الأيمة في تكفيرهم والتماري في ذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وتتمارى في الفُوق". وقد كادت هذه المسألة تكون أشد إشكالاً عند المتكلمين من سائر المسائل.
ولقد رأيت أبا المعالي وقد رغّب إليه الفقيه أبو محمد عبد الحق رحمهما الله في الكلام عليها فَهَربَ له من ذلك واعتذر له بأن الغلط فيها يصعب موقعه لأن إدخال كافر في الملة أو إخراج مسلم عنها عظيم في الدين.
وكذلك اضطرب فيها قول القاضي ابن الطيب، وناهيك به في علم الأصول. وأشار أيضاً القاضي - رحمه الله- إلى أنها عن المُعْوِصَاتِ لأن القوم لم يصرحوا بنفس الكفر وإنما قالوا أقوالاً تؤدي إليه.
وأنا أكْشِفُ لك نكتة هي مدار الخلاف وسبب الإِشكال، وذلك أن المعتزلي مثلاً إذا قال: الله سبحانه عالم ولكنه لا عِلْم لَهُ، وحيّ ولكن لا حياة لَه، وقع الالتباس في تكفيره، لأنه قد عُلم من دين الأمة ضرورة أنَّ مَنْ قَال: إنَّ الله ليس بِحَيٍّ ولا بعالم فإنه كافر، وقامت الحجة على أنه محال أن يكون عالمٌ ولا علم له، وأنَّ ذلك من الأوْصَافِ المعلّلة لا سيما إن قلنا بنفي الأحوال، فإن ذلك أوضح وآكد في أن نَفْيَ العلم نفيٌ لكون العالم عالِما؛
فَهَلْ يُقَدَّر أن المعتزلة لما جهلت ثبوت العلم جهلت كون الباري تعالى عالماً وذلك كفر بإجماع، واعترافها به مع إنكارها أصْلَهُ لا ينفع؟
أو يكون اعترافها بذلك، وإنكارها أن تقول بأن الله غير عالم ينفعها وإن قالت بما يؤدى إلى منعها من هذا القول؟
والتكفير بِالمَآلِ هو موضع الإِشكال).
ثالثًا: القاضي عياض رحمه الله تعالى:
نقل في كتابه (إكمال المعلم) كلام المازري وأقرّه.
وفي كتابه (الشفا بالتعريف بحقوق المصطفى) قد ذكر ما جاء عن مالك وأصحابه في إكفار أهل الأهواء ثم قال (2/ 276): (فصلٌ في تحقيق القول في إكفار المتأولِّين: قد ذكرنا مذاهب السلف في إكفار أصحاب البدع والأهواء المتأوِّلِين ممن قال قولًا يؤدِّيه مساقُه إلى كُفرٍ هو إذا وقف عليه لا يقول بما يؤديه قولُه إليه، وعلى اختلافهم اختلف الفقهاء والمتكلمون في ذلك، فمنهم من صوَّب التَّكفير الذي قال به الجمهور من السلف، ومنهم من أبَاه ولم يرَ إخراجهم من سوادِ المؤمنين وهُوَ قولُ أكثر الفقهاء والمتكلمين) .
فجعل من وِصفِ أصحاب البدع المتأولين الذين هم محلّ الخلاف في التكفير؛ إنهم يكفرون بمآل قولهم لا صريحه.
وقال (2/294- 295) مُبيِّنًا تفريع الاختلاف في تكفير المعتزلة وسائر المتأولين على الاختلاف في التكفير بالمآل، مختارًا عدم القول بالتكفير - مع إقراره بأن الاختلاف معتبر : (فأما من أثبت الوصف ونفى الصفة فقال: أقول عالم ولكن لا علم له، ومتكلم ولكن لا كلام له، وهكذا في سائر الصفات على مذهب المعتزلة، فمن قال بالمآل لما يؤديه إليه قوله ويسوقه إليه مذهبه؛ كفَّره، لأنه إذا نفى العلم انتفى وصف عالم، إذ لا يوصف بعالم إلا من له علم، فكأنَّهم صرَّحُوا عنده بما أدى إليه قولهم، وهكذا عند هذا سائر فرق أهل التأويل من المشبهة والقدرية وغيرهم.
ومن لم ير أخذهم بمآل قولهم ولا ألزمهم موجب مذهبهم لم ير إكفارهم. قال: لأنهم إذا وقفوا على هذا قالوا: لا نقول ليس بعالم ونحن ننتفي من القول بالمآل الذي ألزمتموه لنا، ونعتقد نحن وأنتم أنه كفرٌ، بل نقول إن قولنا لا يؤول إليه على ما أصلناه.
فعلى هذين المأخذين اختلف الناس في إكفار أهل التأويل.
وإذا فهمته اتضح لك الموجب لاختلاف الناس في ذلك.
والصواب: ترك إكفارهم والإعراض عن الحتم عليهم بالخسران، وإجراء حكم الإسلام عليهم في قصاصهم ووراثاتهم ومناكحاتهم ودياتهم والصلوات عليهم ودفنهم في مقابر المسلمين وسائر معاملاتهم، لكنهم يغلظ عليهم بوجيع الأدب وشديد الزجر والهجر حتى يرجعوا عن بدعتهم، وهذه كانت سيرة الصدر الأول فيهم، فقد كان نشأ على زمن الصحابة وبعدهم في التابعين من قال بهذه الأقوال من القدر ورأي الخوارج والاعتزال، فما أزاحوا لهم قبرًا ولا قطعوا لأحد منهم ميراثًا لكنهم هجروهم وأدبوهم بالضرب والنفي والقتل على قدر أحوالهم، لأنهم فساق ضلال عصاة أصحاب كبائر عند المحققين وأهلِ السنة مِمَّن لم يقل بكفرهم منهم، خلافًا لمن رأى غير ذلك، والله الموفق للصواب) .
رابعًا: الإمام أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله تعالى:
عزا في كتابه (الاعتصام) (2/ 708) نحو ما عزاه القاضي عياض للمحققين من عدم القول بالتكفير بالمآل فقال: ( الذي كنا نسمعه من الشيوخ أن مذهب المحققين من أهل الأصول أن الكفر بالمآل، ليس بكفر في الحال، كيف والكافر ينكر ذلك المآل أشد الإنكار ويرمي مخالفه به، ولو تبين له وجه لزوم الكفر من مقالته لم يقل بها على حال) .
لكنه أقر بأن مسألة التكفير بالمآل من مسائل الاجتهاد فقال في المسائل المتعلقة بأهل البدع في كتاب الاعتصام (1 / 226) : (والتاسع: تكفير من دل الدليل على كفره، كما إذا كانت البدعة صريحة في الكفر، كالإباحية، والقائلين بالحلول، كالباطنية، أو كانت المسألة في باب التكفير بالمآل، فذهب المجتهد إلى التكفير، كابن الطيب في تكفيره جملة من الفرق).
المصدر...
اثبت وجودك
..
تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع
|