لقد ذكرنا غير ما مرة ان قضايا الشعوب لن يخدمها سوى اصحابها و ان التاريخ ملك لكل الانسانية ظاهره اخبار و باطنه نظر و تحقيق كما قال العلامة الاندلسي عبد الرحمان بن خلدون. ان ما يتوصل اليه الابداع الفكري للانسان لا يعترف بحدود و لا قوميات و لا انتماءات ايديولوجية و ليس هو حكر على فئة او شعب او امة و انما هو نتاج فكري للاستهلاك الانساني. عندما نتحدث عن التراث الاندلسي من المنظور التاريخي و نتناول الأحداث التاريخية التي احاطت بسقوط الحضارة الاندلسية فليس ذلك سوى من باب التعامل التاريخي مع الاحداث بما قد ينفعنا من عبر توجه حاضرنا و مستقبلنا نحو تعامل مع الاحداث يقينا الأخطاء السالفة من جهة و فيما يتعلق بالتراث فهو شاهد على ما يمكن ان يصل اليه الانسان من ابداع فكري اذا ما ضمن له الحكام ضروفا من التعايش السلمي بين الديانات كما التجربة الاندلسية حتى زمن حكم الفونس العاشر نفسه. أما اليوم فلا يجب الخلط ما بين تناول التاريخ و ربط الماضي بالحاضر في محاولة المثقفين رأب صدع الهوة المظلمة التي شابت انثروبولوجيا الموريسكيين ايام تقهقر العالم العربي و تخلفه الذي لا يزال الى اليوم و القضية القومية الأندلسية في حد ذاتها كقضية كيان و هوية و وجود و مصير. ان محاولات هامشية من هنا و هناك تريد فرض وصايتها على الشعب الاندلسي و اعتبار قضيته قضية من القضايا العربية التي يجب تبنيها و الدفاع عنها اعتبارا من ان مركز فتح الأندلس او ما يسمى حديثا بغرفة العمليات المركزية كانت بالمشرق العربي و ان الدولة الأموية بالأندلس تدين للشام و الشرق عموما فإنه من العبثية و من التفاهة و من الجهل التسليم بأن العالم العربي و أي عربي هو الوريث الشرعي للأندلس الحديث و قضيته القومية . و ان نسمع اليوم تخوين بعضهم لدعاة لم الشمل الموريسكي الاندلسي بالمنفى و نعته بخدمة اعداء القضية الاندلسية و باقي النعوت البليدة الهابطة و الغير لائقة بسلان الأندلسيين لمجرد دفاعهم عن كيانهم و هويتهم و وجودهم. نحن اذ نترفع عن مثل هاته المهاترات و المزايدات فاننا لا نرفض كما يبدو للبعض التعاطف مع القضية الموريسكية لكن لا كما يعتقدون على انها قضية استرداد حقوق مادية فحسب او مجرد نزع اعتراف بجرائم محاكم التفتيش بل على انها قضية قومية انسانية و قضية وطن و هوية و مصير شعب بالداخل و المنفى لا علاقة لها بأية وصاية عربية. و لقد علمنا التاريخ المعاصر و ما تعيشه القضية الفلسطينية من معاناة ان نفس العرب الذين يدعون اليوم وقوفا مع القضية الموريسكية وقفوا بالامس مع القضية الفلسطينية و نجحوا في تكريس الفرقة بين ابناء الشعب الواحد في الضفة الغربية و القطاع و بنوا حائطا بينهم و بين اهلنا في غزة ليموتوهم جوعا و حطموا انفاقهم حتى يرضى الصهيوني عنهم و اشعلوا نيران الفتن بين فتح و حماس و من وقاحتهم انهم يخرجون علينا في مسيرات مؤيدة لفلسطين في محاولة لفرض وصاية مزعومة على شعب منكوب جتى يركبوا الاحداث بينما وجهوا حربهم و ارهابهم الى سوريا و استهدفوا لبنان و ليبيا و مصر و اليمن و العراق و لم نرى احدا لا من المتشددين الاصوليين و لا ممن يمثلون علينا دور المتعاطفين مع القضايا العادلة يوجهون سنانهم الى الصهاينة عدى حزب الله. لذا رجاء اتركوا القضية الاندلسية لأصحاب القضية يناضلون بطريقتهم من اجل حقوقهم التاريخية مثلما تركتم اهلنا في بورما و البوسنة و الشاشان و غيرها يواجهون مصيرهم و لتعلموا ان الدم الأندلسي لم يكن في أغلبيته الساحقة دما عربيا و الا كيف لم تنتصروا لهم و هم بين ظهرانيكم الا بعد قرون ستة من السقوط و اربعة من النفي . و اني لأذكر فيما أذكر قولا حقا رائعا للمرحوم نزار يترجم حال الوطن العربي و المواطن العربي الذي استنجده الأندلسي ايام سقوط غرناطة فلم ينجده و نجده اليوم من الراكبين على تاريخ الآخرين طلبا لشهامة مفقودة : مَضت قرونٌ خمسةٌ ولا تزال لفظةُ العروبه.. كزهرةٍ حزينةٍ في آنيه.. كطفلةٍ جائعةٍ وعاريه نصلبُها على جدارِ الحقدِ والكراهيه.. مَضت قرونٌ خمسةُ.. يا غاليه كأننا.. نخرجُ هذا اليومَ من إسبانيه.. هذا و اني لن اسمح باسمي و باسم كل موريسكيي المنفى من أمريكيا اللاتينية الى الشمال الافريقي الى اوروبا أن ينعت ابناء الاندلسيين بالداخل بالخونة لأنهم أشرف ممن هرب من معالجة قضاياه و باع بني جلدته للصهيونية العالمية و رضى بالذل على ان يناضل في وطنه من اجل وطنه ضد حكام طغوا و تجبروا فصدروا عقدهم و حقدهم و مرضهم الى الأندلس و لتعلموا أن الشعب الأندلسي بالأندلس و بقطع النظر عن انتمائه الديني و العقائدي و الايديولوجي هو شعب لا يزال منذ النصف الاول من القرن الماضي و ايام ديكتاتورية فرانكو الى اليوم يناضل من أجل رد الإعتبار لأجدادنا الذين هجروا و نصروا قسرا و حرقوا تحت آلة محاكم التفتيش و نضالهم اليوم سواء سياسيا في اليسار الاندلسي مثل حزب تحرير الأندلس أو في المجتمع المدني هو شعب يحمل نفس هويتنا و فيهم من عادوا الى الاسلام هم سلان أجدادنا و هم إخواننا البيولوجيون حتى و ان لم نكن على دينهم او فكرهم و اني لأذكر أحدهم حينما قال لي ذات يوم خلال فعاليات المؤتمر العالمي الاندلسي الاول بكاستيلار سنة1990 المؤرخ المسلم انطونيوعبد الرحمان موليرا و كان قائدا في حزب تحرير الأندلس و رئيسا لجمعية الإسلام و الأندلس قال: نحن لسنا في حاجة ان نتعلم الإسلام من الشرق الاسلام في دمائنا منذ قرون و سيأتي اليوم الذي سنفتح فيه الشرق المتخلف و نعلمه الإسلام الحقيقي الذي صنع حضارة الأندلس لا الإسلام المشوه الذي صنع تخلف العرب في الشرق ... ان قراءتنا للتاريخ علمتنا ان نكون في سياق التاريخ لكن أي تاريخ؟ التاريخ الذي سنكتبه نحن سلان الموريسكوس مصححا و ليس التاريخ المشوه المكذوب و الحاقد الذي يدرسه العرب في جامعاتهم عنا و قد رجعوا الى المستشرقين و سماسرة التاريخ و الصهاينة و الكنيسة الكاثوليكية لصياغة اساطيرهم الوهمية و اكاذيبهم الخارقة. لذا رجائي ان لا يجرب المتهافتون على القضية الاقتراب و الوصاية لأن غاياتنا تختلف و هدفنا ليس موحدا و لأن من فشل في تحرير نفسه في وطنه لا يستطيع مساعدة الآخرين في تحرير أوطانهم.. فاقد الشيء لا يعطيه... رضوان الرشيكو التونسي الأندلسي
المصدر...