![]() |
![]() |
|
|
#1 | |
|
مدير ومالك المنتديان
![]() |
محنة ابن تيمية في مصر (6) 8- تسفير ابن تيمية إلى الإسكندرية: وبعد فشل المحاولات المتكررة لإنزال الشيخ تحت الشروط التي يُريدها الخصوم، صدر مرسوم سلطاني بتسفيره إلى الإسكندريّة. إضافة إلى أن كثرة اجتماع الناس بالشيخ وهو في حبسه أمرٌ استاءَ منه خصومه، فسعوا إلى إبعاده([1]). يروي إبراهيم الغياني قصة التسفير فيقول: (جاء عند الشيخ شمس الدين بن سعد الدين الحراني وأخبره أنهم يسفرونه إلى الإسكندرية، وجاءت المشايخ التدامرة وأخبروه بذلك، وقالوا له: كل هذا يعملونه حتى توافقهم، وهم عاملون على قتلك، أو نفيك، أو حبسك، فقال لهم: أنا إن قتلت كانت لي شهادة، وإن نَفَوْني كانت لي هجرة، ولو نَفَوْني إلى قبرص لدعوتُ أهلَها إلى الله وأجابُوني، وإن حبسوني كان لي معبدًا، وأنا مثل الغنمة؛ كيفما تقلَّبَتْ تقلَّبَتْ على صوف، فيئسوا منه وانصرفوا. فلما كان بعد في صلاة المغرب جاء نائب والي المدينة بدر الدين المحب بن عماد الدين بن العفيف، ومعه جماعة، فقال: يا سيدي باسم الله! فقال له الشيخ: إلى أين؟ قال: إلى الإسكندرية، قد رسم السلطان بذلك الساعة. فقال له: لو كنتم أخبرتموني بذلك حتى تجهزت للسفر وأخذت معي نفقة. فقال له: قد أمرتُ لك ولأصحابك ما يكفيك. فقال له: أنا الليلة ما أسافر! فقال له: ما يمكنني أن أخالف مرسوم السلطان. فقال له معك مرسوم بأن تسخطني؟! فقال: لا. وقام خرج من عنده، فغلق السجان باب الحبس، وراح. فلما كان ثاني يوم، جاء عبدالكريم ابن أخت الشيخ نصر، وحلف أن الشيخ نصر ماعنده علمٌ من هذا، وانصرف. فلما كان بعد صلاة العصر وقفت أبكي. فقال لي الشيخ: لاتبك، ما بقيت هذه المحنة تبطئ. فقلت له: أفتح لك في المصحف؟ فقال: افتح. فطلع قوله تعالى: (واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون، إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون). فقال: افتح في موضع آخر، فطلع قوله تعالى: (ومكروا مكرًا ومكرنا مكرًا وهم لا يشعرون) إلى آخرها. فقال: افتح آخر، فطلع قوله تعالى: (محمد رسول الله والذين معه..) إلى آخرها. فلما صلينا المغرب بقي يدعو بدعاء الكرب، وأنزل الله عليه من النور والبهاء والحال شيئًا عظيمًا. وأشرت إلى المُحبَسين، كأن وجهه شمع يجلوه مثل العروس، حتى إذا راق الليل، جاء نائب الوالي فقال: باسم الله، فبقوا يُودِّعُونه، ويبكون، ويدعون عليهم بدعاء مختلف، أقله أن يسلبهم الله نعمتَه. وركب على باب الحبس، فقال له إنسان: يا سيدي هذا مقام الصبر. فقال له: بل هذا مقام الحمد والشكر، والله إنه نازلٌ على قلبي من الفرَح والسرور شيء لو قُسِم على أهل الشام ومصر لفضل عنهم، ولو أنَّ معي في هذا الموضع ذهبًا وأنفقته ما أدَّيتُ عُشر هذه النعمة التي أنا فيها. وخرج من باب سعادة، وركبنا في البحر إلى ذلك البر، فلقينا أمير يقال له بدر الدين طبر أمير عشرة مقدم مائة، فمنعنا من السفر مع الشيخ وقال: ما معي مرسوم أن يجيء أحدٌ مع الشيخ. فقال الشيخ: يا إبراهيم انزل إلى الشام، وقل لأصحابنا: وحق القرآن - ثلاث مرات - مابقيت هذه المحنة تبطئ، وتنفرج قريبًا فوقَ ما في النفوس، ويقلبُ الله مملكة بيبرس أسفلها أعلاها، وليجعلَنَّ الله أعزَّ من فيها أذلَّ من فيها. فلما رجعنا بعد أن ودَّعناه انكسَر في تلك الليلة البحر، ونقص الماء، وغلا الخبز وغيره، ومابقي شيء يلتقى، وبقِيَت النَّاسُ تلعنُهم ويقولون: غرَّقُوا ابنَ تيمية في البحر، مابقي يطلع. فطلع جماعة من أكابر إسكندرية وصلحائها التقوا الشيخ، وقعد في البرج الأخضر)([2]). وقال البِرْزالي: (وفي الليلة الأخيرة من صفر (709هـ)، وهي ليلة الجمعة توجَّه الشيخ تقي الدين ابن تيمية من القاهرة إلى الإسكندرية مع أميرٍ مُقدَّم، ولم يُمكَّن أحدٌ من جماعته من السفر معه، ووصل هذا الخبر إلى دمشق بعد عشرة أيام، فحصل التألُّم لأصحابه ومُحبِّيه، وضاقت الصُّدُور، وتضاعف الدُّعاءُ له. وبلَغَنا أنَّ دخُولَه الإسكندرية كان يوم الأحد، دخل من باب الخوخة إلى دار السلطان، ونُقِل ليلًا إلى بُرجٍ في شرقي البلد. ثم وَصَلت الأخبارُ أنَّ جماعةً من أصحابه توجَّهُوا إليه بعد ذلك، وصار الناس يدخلُون إليه، ويقرؤون عليه، ويَتحدَّثُون معه، وكان الموضع الذي هو فيه فسيحًا متسعًا بحمد الله تعالى)([3]). 9- استمرار الشيخ في نشاطه في الدعوة والتعليم وهو بالإسكندرية: قال ابن عبد الهادي: (بقي الشيخُ بثغر الإسكندرية ثمانية أشهر، مُقيمًا ببرج مليح نظيف، له شباكان: أحدهما إلى جهة البحر، يدخل إليه من شاء، ويتردَّد إليه الأكابر والأعيان والفقهاء، يقرأون عليه ويبحثون معه، ويستفيدون منه)([4]). وقال الذهبي: (ولما كان مُعتقلا بالإسكندرية التمس منه صاحب سبتة أن يُجيزَ له مروياته، وينصَّ على أسماء جملة منها، فكتب في عشر ورقات جملة من ذلك بأسانيدها من حفظه، بحيث يعجز أن يعمل بعضه أكبرُ مُحدِّث يكون)([5]). 10- تصدِّي ابن تيمية للاتحاديَّة في الإسكندريَّة، وتصنيفُه كتاب (المسائل الإسكندرانية في الرد على الاتحادية والحلولية): يقولُ الشيخ: (لمّا انتشر الكلامُ في مذهب أهل الوحدة، وكنتُ لمّا دخلتُ إلى مصر بسببهم، ثمّ صرتُ في الإسكندرية، جاءني من فضلائهم من يعرف حقيقة أمرهم، وقال: إن كنتَ تشرح لنا كلام هؤلاء، وتُبيِّن مقصودهم، ثمّ تُبطله، وإلا فنحن لا نقبل منك كما لا نقبل من غيرك، فإنّ هؤلاء لا يفهَمُون كلامَهم. فقلتُ: نعم! أنا أشرح لك ما شئتَ من كلامهم مثل كتاب (البُد)، و(الإحاطة) لابن سبعين، وغير ذلك. فقال لي: لا، ولكن (لوح الأصالة)؛ فإنّ هذا يعرفون، وهو في رؤوسهم. فقلتُ له: هاته. فلمّا أحضره شرحتُه له شرحاً بيِّنًا، حتى تبيَّن له حقيقة الأمر، وأنّ هؤلاء ينتهي أمرهم إلى الوجود المطلق، فقال: هذا حقّ. وذَكَرَ لي أنّه تناظر اثنان؛ متفلسف سبعينيّ، ومتكلّم على مذهب ابن التومرت، فقال ذاك: نحنُ شيخنا يقول بالوجود المطلق، وقال الآخر: ونحن كذلك إمامنا. قلتُ له: والمطلق في الأذهان لا في الأعيان. فتبيّن له ذلك، وأخذ يُصنّف في الردّ عليهم. ولم أكن أظنّ ابنَ التومرت يقول بالوجود المطلق، حتى وقفتُ بعد هذا على كلامه المبسوط، فوجدتُه كذلك، وأنّه كان يقول: الحقّ حقّان؛ الحقّ المقيّد، والحقّ المطلق؛ وهو الربّ، وتبيَّنتُ أنّه لا يُثبتُ شيئًا من الصفات، ولا ما يتميّز به موجود عن موجود؛ فإنّ ذلك يُقيّد شيئاً من الإطلاق. وسألني هذا عمّا يحتجّون به من الحديث، مثل الحديث المذكور في العقل، وأنّ أوّل ما خلق الله تعالى العقل، ومثل حديث: كنتُ كنزاً لا أُعرف، فأحببتُ أن أُعرف، وغير ذلك، فكتبتُ له جواباً مبسوطاً، وذكرتُ أنّ هذه الأحاديث موضوعة)([6]). وهذا الجواب المبسوط هو كتاب (المسائل الإسكندرانية في الرد على الاتحادية والحلولية) أو (السبعينية)([7]). وأرسل الشيخ شرف الدين عبد الله الذي كان مقيمًا في القاهرة رسالة إلى أخيه بدر الدين أبي القاسم في دمشق، يصف له فيها ما مَنَّ اللهُ به من انتصار الشيخ تقي الدين على الاتحاديَّة عند نزوله إلى الاسكندرية، يقول فيها: (فمن نعم الله الكاملة، ومننه الشاملة: نزول الأخ الكريم بالثغر المحروس، فإنَّ أعداءَ الله قصدُوا بذلك أمورًا يكيدون بها الإسلام وأهله، وظنُّوا أنَّ ذلك يحصل عن قريب، فانقلبت عليهم مقاصدُهم الخبيثة المعلومة، وانعكست من كُلِّ الوجُوه، وأصبحُوا - وما زالوا - عند الله، وعند العارفين من المؤمنين، سودَ الوجوه، يتقطَّعُون حسراتٍ وندَمًا على ما فعلوه، وأقبل أهل الثَّغر أجمعُون إلى الأخ متقبِّلين لما يذكرُه وينشرُه من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والحطِّ والوقيعة في أعدائِهِما من أهل البدع والضلالات والكفر والجهالات، خصوصًا أخبث الملاحدة والاتحادية ثم الجهمية. واتَّفَق أنه وجد بها إبليس إلحادِهم قد باضَ وفرَّخ، ونصب بها عرشَه ودوَّخ، وأضلَّ بها فريقي السبعينية والعربية، فمزَّق اللهُ بها بقدُومه الثغرَ جُموعهم شذر مذر، وهتك أستارهم، وكشف رمزهم - الإلحاد والكفر – وأسرارَهم، وفَضَحهم، واستتاب جماعاتٍ منهم، وتوّب رئيسًا من رؤسائهم، وإن كان عندَ عبادِ الله المؤمنين حقيرًا، وصنَّف هذا التائبُ كتابًا في كشف كُفرِهم وإلحادهم، وكان من خواصّ اللعين عدوّ الله ورسوله نصير الملحد([8])، واشتهر ذلك، واستقرّ عند عُموم المؤمنين وخواصّهم من أميرٍ، وقاضٍ، وفقيهٍ، ومُفتٍ، وشيخٍ، وعُمُوم المجاهدين، إلا من شذَّ من الأغمار الجُهَّال، مع الذِّلَّة والصغار، حذَرًا على نفسه من أيدي المؤمنين وألسنتهم، وعلت كلمة الله بها على أعداء الله ورسوله، ولُعِنوا لعنًا ظاهرًا في مجامع الناس بالاسم الخاص، وصار بذلك عند نُصَيرٌ المُلحد، المُقيم المُقعد، ونزل به من الخوف والذل ما لا يُعبَّر عنه، وهمَّ أن يكيد كيدًا آخر، فوقع ما وقع عندكم بالشام من الأمر المزعج، والكرب المقلق، والبلاء العظيم والذل، واستعطاف من كانوا لا يلتفتون إليه بالأموال والأنفس والتذلل، حتى رقَّ بعض الأصحاب لهم فزُجِر عن ذلك، وقيل له: (ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله) إلى أمور كثيرةٍ من المحن والبلاء، مما لا يُمكِنُ وصفُه، فنسأل الله العظيم أن يُعجِّلَ تمامَ النِّقمةِ عليهم، وأن يقطع دابِرَهم، وأن يُريح عباده وبلاده منهم، وأن ينصُر دينَه وكتابَه ورسولَه وعبادَه عليهم، وأن يوزِعَنا شكر هذه النعمة، وأن يُتمَّها علينا وعلى سائر المؤمنين)([9]). 11- قدوم السلطان الناصر من الشام، وإطاحته ببيبرس الجاشنكير، وطلب السلطان ابن تيمية إلى القاهرة مُعزَّزًا مُكرَّمًا، ونهاية محنته في مصر: كما أن السياسة كان لها أثرٌ في طلب ابن تيمية إلى مصر، فقد كان لها الأثر المباشر في انتهاء قضيّته أيضًا. توجَّه السُّلطان الناصر من دمشق إلى غزة في (9 / 9 / 709هـ) ومعه الأمراء والأعيان والعساكر الشامية، بعد أن كسب ولاءهم، بقصد الإطاحة بالأمير بيبرس الجاشنكير. وصل الناصر إلى القاهرة في (2 / 10 / 709هـ)، واستعاد عرش السلطنة، وأطاح بالأمير بيبرس، بعد أن قضى هذا سنة تقريبًا في منصب السلطنة، سبقتها تسعُ سنوات قضاها في منصب الأستاذ دار، كان فيها هو والأمير سلار صاحبي الكلمة والنفوذ في الدولة، ولم يكن السلطان الناصر إلا سلطانًا اسميًّا([10]). وقد برَّ الله سبحانه بيمين ابن تيمية الذي أقسمه في بداية سلطنة بيبرس حين قال: (والله لتقلبن دولةُ بيبرس أسفلها أعلاها، ويكون أعزُّ من فيها أذلَّ من فيها). وبزوال دولته يكون قد زال عهد الأمير الدّاعم لخصوم ابن تيمية، إذ كان - كما تَقدّم - يتغالى في حُبّ الشيخ نصر المنبجي، ولا يصدر إلا عن رأيه، إضافةً إلى أن بعض القضاة والمشايخ من خصوم ابن تيمية، كالشيخ شمس الدين ابن عدلان، والشيخ صدر الدين ابن الوكيل، كانا مستشارين لبيبرس في فترة سلطنته، مما أسخط عليهم السلطان الناصر لما رجع إلى الحكم. بعد أيامٍ معدودةٍ فقط من وصول السلطان الناصر إلى القاهرة أرسل في طلب ابن تيمية من الإسكندرية معززًا مكرمًا، وذلك في (8 / 10 / 709هـ)، ثم اجتمع به في (24 / 10 / 709هـ). يقول البِرْزالي: (وفي ثامن شوال طلب الشيخ تقي الدين ابن تيمية من الإسكندرية، فوصل إلى القاهرة في ثامن عشر يوم السبت، واجتمع بالسلطان يوم الرابع والعشرين منه، وأكرمه وتلقاه في مجلسٍ حَفِل، وفيه قضاة المصريين والشاميين([11])، والفقهاء، وأصلح بينه وبينهم) ([12]). ويُسجِّل الشيخ إسماعيلُ ابنُ كثير الدمشقي في (تاريخه) رواية هامة عن أحد حضور ذاك المجلس، هو القاضي جمال الدين ابن القلانسي، يوثق فيها ما جرى فيه، ويبدأ بذكر ما وقع فيه من إكرام السلطان لابن تيمية، يقول ابن كثير: (وقد أخبرني القاضي جمالُ الدين ابن القلانسي بتفاصيل هذا المجلس، وما وقع فيه من إكرام الشيخ تقي الدين، وما حصل له من الشُّكر والمدح من السلطان، وكذلك أخبرني بذلك قاضي القضاة صدر الدين الحنفي، ولكن إخبار ابن القلانسي أكثر تفصيلا، وذلك أنه كان إذ ذاك قاضي العسكر، وكلاهما كان حاضرًا هذا المجلس. ذكر أن السُّلطان لما قدم عليه الشيخُ تقي الدين ابن تيمية نهض قائمًا للشيخ أوَّل ما رآه، ومشى له إلى طرف الإيوان، واعتنقا هناك هنيهة، ثم أخذ بيده فذهب به إلى صُفَّةٍ فيها شباك إلى بستان، فجلسا ساعة يتحدثان، ثم جاء ويدُ الشيخ في يدِ السُّلطان، فجلس السلطان وعن يمينه ابنُ جماعة قاضي مصر، وعن يساره ابن الخليلي الوزير، وتحته ابن صَصْرى، ثم صدر الدين علي الحنفي، وجلس الشيخ تقي الدين بين يدي السلطان على طرف طراحته)([13]). لم يترك الشيخ وظيفةَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى في هذا الوقت، الذي يتملّقُ الناس فيه للسلطان الجديد خوفًا وطمعًا، فلما جاءه وزيره مقترحًا إعادة لبس أهل الذمة إلى لبس العمائم البيض، بعد أن كانوا قد ألزموا بلباس يميزهم عن المسلمين، فتلبس اليهود العمائم الصفر، والنصارى العمائم الزرق، قام ابن تيمية في ذلك المجلس منكرًا عليه أشدّ الإنكار. قال ابن كثير: (وتكلَّم الوزير في إعادة أهل الذمة إلى لبس العمائم البيض بالعلائم، وأنهم قد التزموا للديوان بسبع مائة ألف في كُلِّ سنة، زيادة على الجالية، فسكت الناس، وكان فيهم قُضَاة مصر والشام، وأكابر العُلَماء من أهل مِصرَ والشَّام، من جُملتهم ابن الزَّمْلَكاني. قال ابن القلانسي: وأنا في مجلس السلطان إلى جنب ابن الزَّمْلَكاني، فلم يتكلم أحد من العلماء ولا من القضاة، فقال لهم السلطان: ما تقولون؟ يستفتيهم في ذلك، فلم يتكلَّم أحد، فجثا الشيخ تقي الدين على ركبتيه، وتكلم مع السلطان بكلام غليظ، ورد على الوزير ما قاله ردًّا عنيفًا، وجعلَ يرفعُ صوته، والسُّلطان يتلافاه ويُسكِّتُه بترفُّقٍ وتودُّدٍ وتوقير، وبالغ الشيخ في الكلام، وقال ما لا يستطيعُ أحدٌ أن يقوم بمثله ولا قريبٍ منه، وبالغ في التشنيع على من يُوافق على ذلك، وقال للسلطان: حاشاك أن يكون أوَّلُ مجلسٍ جلستَه في أُبَّهة الملك تنصرُ فيه أهل الذمة لأجل حطام الدنيا الفانية، فاذكر نعمةَ الله عليك إذ رَدَّ ملكك إليك، وكبتَ عدوَّك، ونصرَك على أعدائك. فذكر أن الجاشنكير هو الذي جدد عليهم ذلك، فقال: والذي فعله الجاشنكير كان من مراسيمك؛ لأنه إنما كان نائبًا لك! فأعجب السلطان ذلك، واستمر بهم على ذلك. وجرت فصول يطول ذكرها. وقد كان السلطان أعلم بالشيخ من جميع الحاضرين، وبعلمه، ودينه، وقيامه بالحق، وشجاعته)([14]). كان السلطان الناصر ساخطًا على القضاة والفقهاء الذين دعموا بيبرس بفتاويهم أو أيَّدُوا حُكمَه([15])، قد استولت عليه رغبة الانتقام منهم، فدعا ابنَ تيمية إلى مساعدته على ذلك، وذلك بتزويده بالفتاوى التي تُمكِّنُه من الانتقام منهم بالشرع، سيما أنه ظن أن خصومتهم للشيخ وإيذاءَهم له تجعله يُسارع في تلبية دعوة الانتقام تلك. لم يكن ابن تيمية - وهو الفقيه المتشرّع - ليتابع الناصر على هواه، ويكسوه لباس الشرع، وهو الذي يُحذِّر من دخول الفقهاء في أهواء الملوك وولاة الأمور([16])، فرفض ذلك، وخاطبه بكلام ليمنعه من الوقوع في ظلم أولئك الفقهاء والقضاة، وإن كانوا هم قد بَغَوا عليه وظلمُوه. يقول ابن القلانسي: (وسمعتُ الشيخَ تقيَّ الدين يذكر ما كان بينه وبين السلطان من الكلام لما انفرَدَا في ذلك الشباك الذي جلسا فيه، وأنَّ السلطان استفتى الشيخ في قتل بعض القُضاة بسبب ما كانوا تكلَّمُوا فيه، وأخرج له فتاوى بعضهم بعزلِه من المُلك، ومُبايعة الجاشنكير، وأنَّهم قاموا عليك وآذوك أنت أيضًا! وأخذ يحثُّه بذلك على أن يُفتيَه في قتل بعضهم، وإنما كان حِنقُه عليهم بسبب ما كانوا سعوا فيه من عزله ومبايعة الجاشنكير، ففهم الشيخ مُرادَ السُّلطان، فأخذ في تعظيم القضاة والعلماء، وينكر أن ينال أحدًا منهُم سوء، وقال له: إذا قتلت هؤلاء لا تجدُ بعدهم مثلهم. فقال له: إنهم قد آذوك، وأرادوا قتلك مرارًا! فقال الشيخ: من آذاني فهو في حل، ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه، وأنا لا أنتصر لنفسي. وما زال به حتى حلم عنهم السلطان وصفح. قال: وكان قاضي المالكية ابن مخلوف يقول: ما رأينا مثل ابن تيمية، حرضنا عليه، فلم نقدر عليه، وقدِرَ علينا فصفَح عنَّا، وحاجَج عنا)([17]). قال البرزالي: (ثم نزل الشيخ إلى القاهرة، وسكن بالقرب من مشهد الحسين، رضي الله عنه، والناس يترددون إليه، والأمراء والجند، وطائفة من الفقهاء، وفيهم من يعتذر إليه ويتنصّل مما وقع)([18]). يقول ابن تيمية في رسالةٍ أرسلها لأصحابه بدمشق بعد خروجه، مُتحدِّثًا عن نتيجة هذه الحَبْسَة: (ونحن - ولله الحمد - قد اشترطنا عليهم في ذلك من الشروط ما فيه عزُّ الإسلام والسنة، وانقماع الباطل والبدعة، وقد دخلوا في ذلك كُلِّه، وامتنعنا حتى يظهر ذلك إلى الفعل، فلم نثق لهم بقولٍ ولا عهد، ولم نجبهم إلى مطلوبهم حتى يصير المشروط معمولًا، والمذكور مفعولا، ويظهر من عزّ الإسلام والسنة للخاصّة والعامَّة ما يكون من الحسنات التي تمحو سيئاتهم، وقد أمد الله من الأسباب التي فيها عزُّ الإسلام والسنة، وقمع الكفر والبدعة بأمور يطول وصفها في كتاب، وكذلك جرى من الأسباب التي هي عزُّ الإسلام وقمع اليهود والنصارى بعد أن كانوا قد استطالوا، وحصلت لهم شوكة، وأعانهم من أعانهم على أمر فيه ذل كبير من المسلمين، فلطف الله باستعمالنا في بعض ما أمر الله به ورسوله، وجرى في ذلك مما فيه عز المسلمين، وتأليف قلوبهم، وقيامهم على اليهود والنصارى، وذل المشركين وأهل الكتاب، مما هو من أعظم نعم الله على عباده المؤمنين، ووصفُ هذا يطول)([19]). وهكذا؛ انتهت محنة الشيخ في مصر، بما اشتملت عليه من صِعَاب، وكان مآلُها مُطابقًا لما أخبرَ به الشيخُ أصحابَه قبل سفره إلى مصر، يقول تلميذه ابنُ القَيّم في تعداده لوقائع فراسة شيخه: (ولما طُلِب إلى الديار المصرية، وأُرِيدَ قتلُه، بعد ما أُنضِجَت له القُدُور، وقُلِّبت له الأمور؛ اجتمعَ أصحابُه لوداعه، وقالوا: قد تواترتِ الكُتُب بأنَّ القوم عامِلُون على قتلِك! فقال: والله لا يصِلُون إلى ذلك أبدًا. قالوا: أفتُحبَس؟ قال: نعم، ويطولُ حبسي، ثم أَخرُج وأتكلَّمُ بالسُّنَّة على رؤوس الناس. سمعتُه يقول ذلك)([20]). أقام الشيخ ثلاث سنوات تقريبًا في القاهرة بعد الإفراج عنه؛ قال ابن عبد الهادي: (ولم يزل الشيخُ مُستمرًّا على عادته من الاشتغال بتعليم الناس، ونفعهم، وموعظتهم، والاجتهاد في سُبُل الخير) ([21]). أما عن علاقته بالسلطان الناصر، فيقول الذهبي: (ولم يكن الشيخ من رجال الدولة، ولا سلك معهم تلك النواميس، فلم يعد السلطان يجتمع به)([22]). وصلت الأخبار بقدوم التتار إلى الشام سنة 712هـ، فسافر الشيخ بقصد الجهاد. وبذلك انتهَت مُدَّة إقامته في مصر التي استمرَّت سبع سنوات وسبعة أسابيع. __________________________ ([1]) (العقود الدرية) (ص331). ([2]) رسالة إبراهيم الغياني ضمن (الجامع لسيرة ابن تيمية) (ص149-150). ([3]) (المقتفي على الروضتين) (3/415). ([4]) (1/376-381). ([5]) (الدرة اليتيمية في السيرة التيمية) ضمن (تكملة الجامع لسيرة ابن تيمية) (ص42). وذكر ابن عبد الهادي في (العقود الدرية) (ص98) في مصنفات ابن تيمية (إجازة لأهل سبتة ذكر فيها مسموعاته). ([6]) (النبوات) (1/376-377). ([7]) (العقود الدرية) (ص52-53). وطُبِع باسم (بغية المُرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية أهل الإلحاد من القائلين بالحلول والإتحاد) وهذه التسمية من أحد نُسَّاخ الكتاب، واختارها محقق الكتاب عنوانًا له لمَّا طبعه. انظر مقدمته (ص57). ([8]) هكذا يصف الشيخُ شرفُ الدين عبد الله الشيخَ نصر المنبجي، وهنا نلحظ التفاوت في وصف المنبجي بين ابن تيمية وبين شقيقه، الذي يُعدُّ واحدًا من أهم معاونيه في هذه المحنة. وفي (ذيل طبقات الحنابلة) لابن رجب (4/512) أنه بعد انعقاد مجلس القضاء الظالم وأمر ابن مخلوف بأخذ ابن تيمية وشقيقيه إلى السجن في رمضان سنة 705هـ: (ويقال: إن أخاه الشيخ شرف الدين ابتهل، ودعا الله عليهم في حال خروجهم، فمنعه الشيخ، وقال له: بل قل: اللهم هب لهم نورًا يهتدون به إلى الحق). ([9]) (العقود الدرية) (ص337-339). ([10]) انظر في تفصيل ذلك: (أمير دمشق المملوكي جمال الدين الأفرم: من مؤازرة ابن تيمية إلى اللحاق بالتتار). ([11]) الذين قدموا مع الناصر والأمراء الشاميين من دمشق، وقد ذكر البرزالي منهم: قاضي القضاة صدر الدين الحنفي، والخطيب جلال الدين القزويني، والشيخ كمال الدين ابن الزمْلكاني. (المقتفي على الروضتين) (3/437). ([12]) (المقتفي على الروضتين) (3/445). ([13]) (البداية والنهاية) (18/93). ([14]) (البداية والنهاية) (18/93-94). ([15]) انظر (حسن المحاضرة) للسيوطي (2/114-115). ([16]) انظر (مجموع الفتاوى) (4/551-552). ([17]) (البداية والنهاية) (18/94-95). ([18]) (المقتفي على الروضتين) (3/445). ([19]) (العقود الدرية) (ص348-349). ([20]) (مدارج السالكين) (2/489-490). ([21]) (العقود الدرية) (ص349). ([22]) (الدرة اليتيمية في السيرة التيمية) ضمن (تكملة الجامع لسيرة ابن تيمية) (ص47). المصدر... اثبت وجودك
..
|
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
||
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
|
|