سُــــؤالٌ
وَ
جَــــوابٌ
حوْلَ مسألةِ المُتقدّمين والمتأخّرين
ربّ يسّر وأعن يا كريم
وبعد
فمن أعظم مقاصد العلم معرفة حق الله سبحانه والقيام به، فهو السبيل الذي يتقرب به العبد لربه سبحانه، وكلما كان العلم محققا لهذه الغاية كان أعظم وكان الاشتغال به أنفع، وفي هذا تتفاوت العلوم، ومن مقاصد العلم الجليلة دلالة الخلق على الله، مما يستدعي الرحمة بهم، وأكثر الناس رحمة بالخلق وأولاهم عناية وعملا به هم أهل العلم، وهذه من ثمرات العلم النافع، حيث يعد غياب هذه المقاصد عن العلم وأهله من الغبن الذي يذهب بكثير من الخير.
في هذه العجالة سأعرض لمسألة من مسائل العلم الحادثة، وهي من فروع مسألة المتقدمين والمتأخرين، و حاصلها : هل من دعا إلى طريقة المتقدمين بصورتها المعاصرة، هل هو داع إلى مذهب السلف؟!
سياقات هذه الدعوى :
يمثل الرجوع إلى السلف في أبواب العلم والعمل مطلبا من المطالب المهمة، وهو وسيلة لتحقيق الحق في الأقوال والأعمال والمذاهب، وهذا محل اتفاق بين أهل الإسلام جملة، وهو في عموم مذاهب الناس على اختلاف انتماءاتهم، وهذا وإن كان وسيلة مهمة في تحقيق المطالب الدينية، إلا أنه يضفي شرعية على كل دعوى؛ ولذلك كان القول به يحتاج إلى تحقيق وبرهان وله مقدمات متعددة لا يصفو القول به إلا بتحقيقها، وفي مسألتنا يدعي من يقول بالرجوع إلى طريقة المتقدمين أن طريقه هي طريق السلف، وبذلك يدلل على صحة مسلكه، وفي المقابل ضعف مسلك المخالف له، مع اتفاق الجميع على تقديم طريقة أهل الحديث المتقدمين، فهذا المقدار محل اتفاق، ثم ما وراء ذلك يحتاج إلى تحرير ونظر، حيث غابت - والحالة هذه - كثير من المقدمات الضرورية كما سيأتي.
- منطلقات المسألة عند من يقول بها:
تقدم الاتفاق على تقديم طريقة أهل الحديث في القرون الأولى والرجوع إليهم، وهذا المنطلق الأول الذي يقدمه من يقول بهذا القول ويدعو إليه، كما ينطلق من أن ما يقوله هو ما عليه أهل الحديث، فهو امتداد لهم، حيث يتوسل إلى ذلك بأن ما عليه المتأخرون والمعاصرون من أهل الحديث يخالف طريقة المتقدمين، وهذا هو المنطلق الثالث.
- تحقيق مذهب أهل الحديث :
من المقدمات الغائبة في مسالك البحث لدى الداعين إلى طريقة المتقدمين، تحقيق مذهب أهل الحديث، وطريقة ذلك، ومتى يعد الناظر خارجا عنه؟ فغالب ما يذكر في هذا الباب أمثلة مختزلة تأتي على عجل، كالكلام في زيادة الثقة والتصحيح بالشواهد، وهنا يظهر نوع تضييق في المفهوم الذي يُدعى إلى الاحتكام إليه، حيث تغيب المراحل التي مرّ بها علم الحديث وعلائق كل مرحلة، كعلاقة الفقه بالحديث من خلال رصد أثر العملية الفقهية بالنظر إلى الحديث، وغياب سعة المفاهيم وما يترتب على ذلك من أحكام، كمفهوم الصحيح وتعدد تطبيقاته لدى أهل الحديث، وقد أفضى ذلك إلى أخطاء علمية؛ كحصر مفهوم الصحيح بتطبيق الإمام البخاري على اعتبار أنه معيار يتحاكم إليه، ثم الاجتهاد في تفسير مراده، وقد أدى هذا المسلك إلى القول بأنه يودع في صحيحه أحاديث الضعفاء وأنها دخلت بموجب الانتقاء والاختيار، وليس الكلام هنا على ما جاء متابعة أو شاهدا، وهذا بدوره أدى إلى الاستدراك على ابن الصلاح في تعريفه للحديث الصحيح، وسيأتي لهذا مزيد توضيح في مقال مستقل...إلى غير ذلك من الادعاءات التي تطلق جزافا من غير دليل أو برهان، وبالعودة إلى تحقيق مذهب أهل الحديث، فإن أول معنى من المعاني المقصودة هنا، هي تلك القواعد الكلية التي سار عليها أهل الحديث بلا خلاف بينهم، وهي التي دوّنها أهل العلم في كتبهم في علوم الحديث، وقبل ذلك في إطلاقات أهل الحديث، ومقدمات كتبهم، كاشتراط الاتصال والقول بعدالة الراوي إلى غير ذلك، ومن ذلك المنهج الحديثي العام في الحكم على الأحاديث، كجمع الطرق ومعرفة الاتفاق والاختلاف فيها، والنظر في أحوال الراوي، والمقارنة بين المرويات إلى غير ذلك، ويدخل في معنى ما تقدم؛ ما ورد عن بعض الأئمة ولا يعرف له فيه مخالف، أو عرف من منهجهم وطريقتهم وقد اتفق عليه المتأخرون أو قال به إمام مطّلع ولم يخالفه فيه أحد، ودون ذلك مسائل كثيرة اختلف فيها الأئمة، وتنوعت فيها مذاهبهم؛ كتحديد مفهوم الجهالة مثلا وبماذا تثبت، والاختلاف في أحوال الرجال، ومذهب أهل الحديث في هذا الباب هو اعتبار عموم الوارد عنهم، فهو بمجموعه يمثل مذهبهم، ومن الخطأ الاقتصار على بعضه بمقاييس تذهب بأقوال أئمة منهم، ومثل هذا يدخل فيه جملة من المسائل؛ كالاختلاف مثلا في مفهوم الشاذّ وتعدد الأقوال فيه، فاقتصر بعض أهل العلم على معنى من معانيه دون غيره كما فعل ابن الصلاح رحمه الله، ومما يجدر التنبيه عليه هنا، أن ما تقدم من مذاهب أهل الحديث وقواعدهم الكلية ومسائلهم قد دونتها كتب علوم الحديث حيث هذبتها ورتبتها، وقد كان الغرض منها الوقوف على جملة الوارد عن أهل الحديث ليسهل العمل به، وقد اختلفت كتبهم وتنوعت بما يعين الناظر فيها على الوقوف على جملة الوارد من مذاهب أهل الحديث، وهي ما بين مكثر ومقل في ذلك، إذن الردّ إلى مذهب أهل الحديث يكون بالعمل بجملة الوارد عنهم، والاقتصار على بعض أقوالهم مما حصل فيه اختلاف يسوغ مع التنبيه على غيره واعتبار جواز العمل به.
وبالعودة إلى السؤال محور البحث، هل من دعا إلى طريقة المتقدمين يعد داعيا إلى طريقة السلف؟ ومن خالفه خالف طريقهم؟
وقبل الإجابة عن هذه الأسئلة ترد علينا مسألة مهمة، وهي الرجوع إلى السلف في مسائل الفقه والاعتقاد، وهل هي عين مسألة الحديث؟ هذا المعنى هو الذي ادّعاه طائفة من المتأخرين، حيث رأوا في هذا المعنى دليلا على صحة مسلكهم، وقد غاب عنهم والحالة هذه أصل المسألة، وهو رصد التغير الوارد على العلوم، ومعرفة المراحل التي مرّ بها العلم، ومقدار ما لكل علم من نصيب من التغير، ولو تجاوزنا التفصيل - فليس مقصودا هنا- إلا أن المتقرر عند أهل العلم أن علم الحديث من أقل العلوم تأثرا بغيره، وإن كان قد وجد ذلك وظهرت آثاره إلا أنه معروف مشهور، كدخول الافتراض في بعض المسائل، وتجاوز معايير أهل الحديث، كقول الإمام النووي بصحة توبة الكاذب في الحديث وقبول حديثه، وما ذهب إليه الحافظ ابن حجر من القول بصحة الحديث الشاذّ، وتقسيمه لأنواع العلة في الإسناد و المتن، إلى غير ذلك من المسائل، وعليه فإن جملة ما بين أيدينا هو تراث أهل الحديث، وما زال العلماء يعملون به جيلا بعد الجيل إلى يومنا، مدركين لما في التراث من مشكلات علمية، أخذت حيزا في كتبهم، ولكل منهم نصيب من حل تلك الإشكالات والإجابة عنها، ومن أخرج تراث المتأخرين والمعاصرين من جملة تراث أهل الحديث، ورأى أن دعوته هي الرجوع إلى طريقة السلف، فعليه أن يبين مقدار التغير الحاصل وملامح ذلك التغير ومخالفة المتأخرين له، ونوع المخالفة ومقدارها في تراث العالم الواحد منهم، بعيدا عن الدعاوى المجردة، ولكن إشكالية هذه الدعوى أنها تعمل في مساحات الاجتهاد التي لا نصّ فيها، ومن مظاهر ذلك استحداث ما لم يكن يعرف عند أهل الحديث، ثم الزعم أنه قول أهل الحديث، كما ظهر لدى أصحاب هذه الدعوى إعادة قراءة التراث والزعم أن نتائج ذلك هي قول أهل الحديث ومناهجهم من غير دليل على ذلك أو برهان.
كتبه : د. عصر محمد النصر.
المصدر...