![]() |
![]() |
آخر مواضيع المنتدى |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||||||
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#1 | |
|
مدير ومالك المنتديان
![]() |
فضائل الرباط وبعض أخبار السلف فيه
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله على محمد خاتم النبيين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، أما بعد، فهذا جزءٌ قد قمتُ بجمعه وترتيبه عن الرباط في سبيل الله، فعسى أن ينفع الله به، وقد قسمته إلى ستة أبواب: الأول: معنى الرباط الثاني: ما جاء فيه في القرآن الكريم الثالث: ما جاء في السنة والآثار الرابع: بعض أقوال أهل العلم فيه الخامس: مدة الرباط السادس: من أخبار السلف فيه الباب الأول: معنى الرباط قال ابن قتيبة: وأصل المرابطة والرِّباط: أن يَرْبِطَ هؤلاء خيولَهم، ويَرْبِطَ هؤلاء خيولَهم في الثغر. كل يُعِدُّ لصاحبه. وسمي المقام بالثغور رِباطًا. 1 وقال أبو منصور الأزهري: وأَصلُ الرِّباط من مُرابطة الْخَيل، أَي: ارتباطها بِإِزَاءِ العدوّ فِي بعض الثغور. 2 وقال ابن فارس: الرِّبَاطُ: مُلَازَمَةُ ثَغْرِ الْعَدُوِّ، كَأَنَّهُمْ قَدْ رُبِطُوا هُنَاكَ فَثَبَتُوا بِهِ وَلَازَمُوهُ. 3 أما الثَّغْرُ، فقال ابن الأثير: الثَّغْر: الْمَوْضِعُ الَّذِي يَكُونُ حَدّا فَاصِلًا بَيْنَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ، وَهُوَ مَوْضِعُ الْمَخَافَةِ مِنْ أَطْرَافِ الْبِلَادِ. 4 وقال الفيومي: الثَّغْرُ مِنْ الْبِلَادِ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُخَافُ مِنْهُ هُجُومُ الْعَدُوِّ، فَهُوَ كَالثُّلْمَةِ فِي الْحَائِطِ، يُخَافُ هُجُومُ السَّارِقِ مِنْهَا، وَالْجَمْعُ ثُغُورٌ، مِثْلُ: فَلْسٍ وَفُلُوسٍ. 5 وقال قدامة بن جعفر البغدادي: " هذه الثغور منها برّيّة تلقاها بلاد العدوّ وتقاربه من جهة البرّ، ومنها بحريّة تلقاه وتواجهه من جهة البحر، ومنها ما يجتمع فيه الامران وتقع المغازي من أهله في البرّ والبحر، والثغور البحريّة على الاطلاق سواحل الشام ومصر كلّها، والمجتمع فيه الامران غزو البرّ والبحر الثغور المعروفة بالشامية، فلنبذأ بذكرها وهى طَرَسُوس وأَذَنَة والمَصِّيْصَة........إلى أن قال: وعواصم هذه الثغور ما وراءها الينا من بلدان الإسلام، وانّما سمّى كلّ واحد منها عاصما لأنه يعصم الثغر ويمدّه في أوقات النفير " 6 الباب الثاني: ما جاء فيه في القرآن الكريم قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200] وقد ذكر الطبري وغيره من المفسرين في معنى المرابطة هنا قولين: الأول أنها مرابطة الأعداء من الكفار، والثاني أنها المرابطة على الصلوات، أي: انتظارها واحدة بعد الأخرى والمحافظة والمداومة عليها. ثم قال الطبري: وأولى التأويلات بتأويل الآية، قول من قال: قوله {ورابطوا} معناه: ورابطوا أعداءكم وأعداء دينكم من أهل الشرك، في سبيل الله. وأرى أن أصل الرباط: ارتباط الخيل للعدو، كما ارتبط عدوهم لهم خيلهم، ثم استعمل ذلك في كل مقيم في ثغر، يدفع عمن وراءه من أراده من أعدائهم بسوء، ويحمي عنهم من بينه وبينهم ممن بغاهم بشر، كان ذا خيل قد ارتبطها، أو ذا رَجْلة لا مركب له، وإنما قلنا: معنى {ورابطوا} ورابطوا أعداءكم وأعداء دينكم؛ لأن ذلك هو المعنى المعروف من معاني الرباط، وإنما يوجه الكلام إلى الأغلب المعروف في استعمال الناس من معانيه، دون الخفي، حتى تأتي بخلاف ذلك ما يوجب صرفه إلى الخفي من معانيه حجة يجب التسليم لها من كتاب، أو خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أو إجماع من أهل التأويل. 7 وقد رجح هذا المعنى ابن عطية أيضا في تفسيره، فقال: " وكذلك اختلف المتأولون في معنى قوله {وَرابِطُوا }، فقال جمهور الأمة معناه: رابطوا أعداءكم الخيل، أي ارتبطوها كما يرتبطها أعداؤكم، ومنه قوله عز وجل: {وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} [الأنفال: 60] ، وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة، وقد كتب إليه يذكر جموع الروم، فكتب إليه عمر: أما بعد، فإنه مهما نزل بعبد مؤمن شدة، جعل الله بعدها فرجا، ولن يغلب عسرٌ يسرين، وأن الله تعالى يقول في كتابه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}8 ، وقد قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: هذه الآية هي في انتظار الصلاة بعد الصلاة، ولم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه 9 ، واحتج بحديث علي بن أبي طالب وجابر بن عبد الله وأبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ألا أدلكم على ما يحط الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط" 10 ، والقول الصحيح هو أن الرباط هو الملازمة في سبيل الله، أصلها من ربط الخيل، ثم سمي كل ملازم لثغر من ثغور الإسلام مرابطا، فارسا كان أو راجلا، واللفظة مأخوذة من الربط، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " فذلك الرباط" إنما هو تشبيه بالرباط في سبيل الله، إذ انتظار الصلاة إنما هو سبيل من السبل المنجية، والرباط اللغوي هو الأول، وهذا كقوله: " ليس الشديد بالصرعة" ، وكقوله: " ليس المسكين بهذا الطواف" إلى غير ذلك من الأمثلة. 11 وذكر القرطبي كلام ابن عطية وتعقبه فقال: قوله" والرباط اللغوي هو الأول" ليس بمسلم، فإن الخليل بن أحمد أحد أئمة اللغة وثقاتها قد قال: الرباط ملازمة الثغور، ومواظبة الصلاة أيضا، فقد حصل أن انتظار الصلاة رباط لغوي حقيقة، كما قال صلى الله عليه وسلم. وأكثر من هذا ما قاله الشيباني أنه يقال: ماء مترابط أي دائم لا ينزح، حكاه ابن فارس، وهو يقتضي تعدية الرباط لغة إلى غير ما ذكرناه. فإن المرابطة عند العرب: العقد على الشيء حتى لا ينحل، فيعود إلى ما كان صبر عنه، فيحبس القلب على النية الحسنة والجسم على فعل الطاعة. ومن أعظمها وأهمها ارتباط الخيل في سبيل الله كما نص عليه في التنزيل في قوله {وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} على ما يأتي. وارتباط النفس على الصلوات، كما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، رواه أبو هريرة وجابر وعلي، ولا عطر بعد عروس. 12 وقال ابن القيم: " وسمي المرابط مرابطا لأن المرابطين يربطون خيولهم ينتظرون الفزع. ثم قيل لكل منتظر قد ربط نفسه لطاعة ينتظرها: مرابط. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط». 13 الباب الثالث: ما جاء في السنة والآثار روى مسلم في صحيحه عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفتَّانَ» 14 قال النووي رحمه الله: " هذه فضيلة ظاهرة للمرابط وجريان عمله عليه بعد موته، فضيلة مختصة به لا يشاركه فيها أحد، وقد جاء صريحا في غير مسلم " كل ميت يختم على عمله إلا المرابط فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة". قوله صلى الله عليه وسلم (وأجري عليه رزقه) موافق لقول الله تعالى في الشهداء {أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}، والأحاديث السابقة أن أرواح الشهداء تأكل من ثمار الجنة، قوله صلى الله عليه وسلم (أمن الفتان) ضبطوا أمن بوجهين أحدهما (أَمِن) بفتح الهمزة وكسر الميم من غير واو، والثانى (أُومن) بضم الهمزة وبواو، وأما الفتان فقال القاضي رواية الأكثرين بضم الفاء جمع فاتن، قال ورواية الطبري بالفتح، وفي رواية أبي داود في سننه (أومن من فتاني القبر)". 15 وقال ابن الجوزي: وقوله: " جرى عليه عمله " أي ثوابه. " وأجري عليه رزقه " يعني من الجنة. " وأمن الفتان " فسره أبو عبد الله الحميدي فقال: الفتان: الشيطان؛ لأنه يفتن الناس بخدعه وتزيينه المعاصي. ولا أرى لهذا التفسير وجها؛ لأن الحكاية عما بعد الموت، وليس للشيطان فيما بعد الموت عمل، وإنما المعنى أمن فتنة القبر، وهي سؤال الملك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنكم تفتنون في قبوركم ". 16 وروى أحمد في مسنده عن فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " مَنْ مَاتَ عَلَى مَرْتَبَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمَرَاتِبِ بُعِثَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ " قال حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ - أحد رواة هذا الحديث- يعني: " رِبَاطٌ أَوْ حَجٌّ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ " 17 وروى أحمد أيضا بنفس إسناد الحديث السابق عن فَضَالَةَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا الَّذِي مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللهِ، فَإِنَّهُ يَنْمُو عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَيَأْمَنُ فِتْنَةَ الْقَبْرِ " 18 وروى سعيد بن منصور في سننه عن أبي سالم الجيشاني أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: «كُلُّ عَمَلٍ يَنْقَطِعُ عَنْ صَاحِبِهِ إِذَا مَاتَ، إِلَّا الْمُرَابِط فَإِنَّهُ يَجْرِي عَلَيْهِ الرِّبَاطُ حَتَّى يُبْعَثَ مِنْ قَبْرِهِ» 19 وعن بَحِير بن سعد قال: سمعتُ خالد بن مَعْدَان يقول «كانوا لا يُفَضِّلُونَ على الرباطِ شيئًا» 20 الباب الرابع: بعض أقوال أهل العلم قال الأثرم: قال أحمد بن حنبل: الخروج إلى عَبَّادَانَ أحب إليَّ من الاعتكاف، وليس يعدل الجهاد والرباط شيء. 21 وقال أبو داود: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: " ليس يعدل عندنا شيء من الأعمال: الغزو ثم الرباط ". 22 وقال أبو داود أيضا: سمعتُ أحمد، سُئِل: المقام بمكة أحب إليك أم الرباط؟ قال: الرباط أحب إلي". 23 وقال إسحاق بن هانئ: سألتُ أحمد بن حنبل: أيما أحب إليك: النزول بطَرَسُوسُ أو بمكة؟ قال: طَرَسُوسُ 24 أحب إليَّ. 25 وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي سئل عن أعمال البر؟ قال: ليس أفضل من الغزو بعد حجة الإسلام، ثم الرباط في الموضع المخوف. 26 وقال محمد بن نصر سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل، يقول: كل شيء من الخير بادر فيه، قال: وشاورته في الخروج إلى الثغر فقال لي: بادر بادر. 27 وقد ذكر الإمام البيهقي المرابطة في سبيل الله في كتابه شعب الإيمان، وعدها من شعب الإيمان، وعقد لها بابا، فقال: " وهو باب في المرابطة في سبيل الله عز وجل قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. قال: " والمرابطة في سبيل الله تنزل من الجهاد والقتال منزلة الاعتكاف في المساجد من الصلاة، لأن المرابط يقيم في وجه العدو متأهبا مستعدا حتى إذا أحس من العدو بحركة أو غفلة نهض، فلا يفوته بالتأهب والإتيان من بُعْدٍ فرصه. كما أن المعتكف يكون في موضع الصلاة مستعدا، فإذا دخل الوقت وحضر الإمام قام إلى الصلاة، ولم يشغله عن إتيان المساجد شاغل، ولا حال بينه وبين الصلاة مع الإمام حائل، ولا شك أن المرابطة أشق من الاعتكاف، فإذا كان الاعتكاف مستحبا مندوبا إليه فالمرابطة مثله، والله أعلم " 28 وسئل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية – رحمه الله -: عن سكنى مكة والبيت المقدس والمدينة المنورة على نية العبادة والانقطاع إلى الله تعالى. والسكنى بدمياط وإسكندرية وطرابلس على نية الرباط: أيهم أفضل؟ فأجاب: " الحمد لله، بل المقام في ثغور المسلمين كالثغور الشامية والمصرية أفضل من المجاورة في المساجد الثلاثة، وما أعلم في هذا نزاعا بين أهل العلم، وقد نص على ذلك غير واحد من الأئمة؛ وذلك لأن الربط من جنس الجهاد، والمجاورة غايتها أن تكون من جنس الحج؛ كما قال تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ} [التوبة: 19]. وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه " سُئِل: أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله. قيل: ثم ماذا؟ قال: ثم جهاد في سبيله. قيل: ثم ماذا؟ قال: ثم حج مبرور".29 وقد روى مسلم في صحيحه عن سلمان الفارسي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، ومن مات مرابطا مات مجاهدا، وأجري عليه رزقه من الجنة، وأمن الفتان " . 30 وفي السنن عن عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل" 31، وهذا قاله عثمان على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر أنه قال لهم ذلك تبليغا للسنة. وقال أبو هريرة: " لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلي من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود". وفضائل الرباط والحرس في سبيل الله كثيرة، لا تسعها هذه الورقة. والله أعلم. 32 الباب الخامس: مدة الرباط رويت بعض الأحاديث والآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم في استحباب الرباط ثلاثة أيام وأنها تعدل رباط سنة، وأن تمام الرباط وكماله أربعون يوما، ولكن لا يصح منها شيء، لا مرفوعا ولا موقوفا، ومع ذلك فقد استحب رباط هذه المدة بعض الأئمة. قال إسحاق بن منصور سألتُ أحمد بن حنبل فقلتُ: هل للرباط وقت؟ قال: أربعون يوماً. قال: وسألتُ إسحاق بن راهويه، فقال: أربعون يوما هذا أكثره، والثلاث لمن لم يحب أن يبلغ ذلك حسن. 33 وقال شيخنا ابن عثيمين رحمه الله: والرباط أقله ساعة، أي: لو ذهب الإنسان بالتناوب مع زملائه ساعة واحدة حصل له أجر، وتمامه أربعون يوماً، هكذا جاء في الحديث 34 ، ولكن لو زاد على الأربعين هل له أجر؟ الجواب: نعم له أجر، لا شك. 35 الباب السادس: من أخبار الرباط عند السلف 1- الإمام التابعي الجليل الحافظ المُقْرِئُ عبد الرحمن بن هُرْمُزَ المدني الأعرج، صاحب أبي هريرة رضي الله عنه قال الذهبي: سافر في آخر عمره إلى مصر، ومات مرابطا بالإسكندرية. 36 2- إمام الشام أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي قال الذهبي: كان يسكن بِمَحَلَّة الأَوْزَاع، بدمشق، ثم تحول إلى بيروت مرابطا بها إلى أن مات. 37 3- الإمام سفيان بن سعيد الثوري، أمير المؤمنين في الحديث قال الفريابي: أتى سفيانُ بيتَ المقدسِ، فأقامَ ثلاثةَ أيامٍ، ورابطَ بعسقلانَ أربعينَ يومًا، وصحبتُهُ إلى مكةَ. 38 4- أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك المروزي قال عنه الذهبي: الإمام، شيخ الإسلام، عالم زمانه، وأمير الأتقياء في وقته، الحافظ، الغازي، أحد الأعلام. 39 وقال عنه ابن حجر: ثقة ثبت فقيه عالم جواد مجاهد جمعت فيه خصال الخير. 40 قلتُ: وأخبار هذا الإمام في الجهاد والرباط كثيرة، فهو من أكثر أهل العلم جهادا ورباطا، فكان كثير الذهاب إلى ثغور الشام كطرسوس والمصيصة وغيرهما مرابطا ومجاهدا، بل وألف كتابا في الجهاد معروف ومشهور، ذكر فيه فضل الجهاد والرباط وبعض أخبار السلف في ذلك. قال أحمد بن حنبل: ذهبتُ لأسمع من ابن المبارك، فلم أدركه، وكان قد قدم بغداد، فخرج إلى الثغر، ولم أره. 41 وقال محمد بن عيسى: كان ابن المبارك كثير الاختلاف إلى طَرَسوس. 42 وقال عبد الله بن سِنَانٍ: كنت مع ابن المبارك، ومعتمر بن سليمان بطرسوس، فصاح الناس: النفير. فخرج ابن المبارك، والناس، فلما اصطف الجمعان، خرج رُوْمِيّ، فطلب البِرَاز، فخرج إليه رجل، فشد العِلْجُ 43 عليه، فقتله، حتى قتل ستة من المسلمين، وجعل يتبختر بين الصفين يطلب المبارزة، ولا يخرج إليه أحد، فالتفت إِلَيَّ ابن المبارك، فقال: يا فلان! إن قُتِلْتُ، فافعل كذا وكذا. ثم حرك دابته، وبرز لِلْعِلْجِ، فعالج معه ساعة، فقتل العِلْجَ، وطلب المبارزة، فبرز له عِلْجٌ آخر، فقتله، حتى قتل ستة عُلُوجٍ، وطلب البِرَازَ، فكأنهم كَاعُوا عنه. 44 5- الإمام، الحجة، الحافظ حجاج بن محمد، أبو محمد المصيصي، الأعور. شيخ أحمد بن حنبل ويحيى بن معين قال الذهبي: ترمذي الأصل، سكن بغداد، ثم تحول إلى المصيصة 45 ، ورابط بها، ورحل الناس إليه. ذكره أحمد بن حنبل، فقال: ما كان أضبطه، وأصح حديثه، وأشد تعاهده للحروف! ورَفَعَ أمرَه جدا. 46 6- إمام القراء عثمان بن سعيد المصري، المعروف بوَرْش، وصاحبه أبو يعقوب الأزرق قال أبو يعقوب الأزرق: كنتُ نازلًا مَعَ ورش فِي الدار، فقرأتُ عَلَيْهِ عشرين ختمة بين حَدْر وتحقيق. فأمّا التحقيق، فكنتُ أقرأ عَلَيْهِ فِي الدار التي كُنَّا نسكنها في مسجد عَبْد اللَّه. وأمّا الحَدْر، فكنت أقرأ عَلَيْهِ إذا رابطت معه بالإسكندرية. 47 7- عبد الله بن وَهْب بن مُسلم، الإمام أبو محمد، الْمَصْرِيّ، أحد الأعلام، وعالم الديّار المصريّة. قال سَحْنُوْنَ الفقيه: كان ابنُ وَهْبٍ قد قسم دهره أثلاثا، ثلثا في الرباط، وثلثا يعلم الناس بمصر، وثلثا في الحج، وذكر أنه حج ستا وثلاثين حجة. 48 8- عَبْد الرحمن بْن القاسم، أبو عبد الله المصري الفقيه، أحد الأعلام، وأكبر أصحاب الإمام مالك بن أنس، الذين نشروا مذهبه. قال علي بن مَعْبَد: رَأَيْتُ ابن القاسم في النَّوم، فقلتُ: كيف وجدتَ المسائلَ؟ فقال: أُفٍ أُفٍ. قلتُ: فما أحسَنَ ما وجدتَ؟ قَالَ: الرَّباط بالإسكندرية. 49 9- الإمام، العلامة، فقيه المغرب، شيخ المالكية، أبو سعيد عبد السلام بن حبيب، الملقب بِسَحْنُوْنَ 50 ، قاضي القيروان، وصاحب (المُدَوَّنَة) قال أبو العرب: وحدثني فُرَات بن محمد، قال: حدثنا سَحْنُوْن، قال: كنا نرابط بِالْمُنَسْتِيرِ، في شهر رمضان، ومعنا جماعة من أصحابنا. 51 10- الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل قال عبد الله بن محمود بن الفرج: سمعت عبد الله بن أحمد يقول: خرج أبي إلى طرسوس، ورابط بها، وغزا. ثم قال أبي: رأيت العلم بها يموت. 52 11- الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، صاحب (الصحيح) قال محمد بن أبي حاتم: كنا بِفِرَبْر، وكان أبو عبد الله – يعني البخاري - يبني رِباطاً مما يلي بُخَارَى، فاجتمع بشر كثير يعينونه على ذلك، وكان ينقل اللَّبِنَ، فكنتُ أقولُ له: إنك تُكْفَى يا أبا عبد الله، فيقول: هذا الذي ينفعنا. 53 12- الإمام أبو زرعة الرازي عبيد الله بن عبد الكريم، شيخ الأئمة، فقد روى عنه الحديث مسلم بن الحجاج (صاحب الصحيح)، والترمذي والنسائي وابن ماجة قال سعيد بن عمرو البَرْذَعِيّ: سمعتُ أبا زُرْعَة الرازي يقول: لم أعرف لنفسي رباطا خالصا في ثغر: قصدتُ قَزْوِينَ مرابطا ومن همتي أن أسمع الحديث من الطَّنَافِسِيِّ ومحمد بن سعيد بن سابق، ودخلتُ بيروت مرابطا ومن همتي أن أسمع من العباس بن الوليد، ودخلتُ رُهَا مرابطا ومن همتي أن أسمع من أبي فروة الرُهَاوي، فلا أعرف لنفسي رباطا خلصت نيتي فيه، ثم بكى. 54 13- الإمام، الرباني، المحدث، زُهَيْر بنُ محمدِ بنِ قُمَيْرِ المَرْوَزِيّ نزيل بغداد، أحد شيوخ ابن ماجة قال عنه الخطيب البغدادي: كَانَ ثقة صادقا وَرعا زاهدا، وَانتقل فِي آخر عمره عَنْ بَغْدَاد إِلَى طرسوس فرابط بها إِلَى أن مات. وقال عنه البغوي: ما رأيتُ بعدَ أحمدَ بنِ حنبلٍ أفضلَ منهُ. 55 14- أبو بكر أحمد بن حرب الطائي، أحد شيوخ النسائي قال يزيدُ الأَزْدِيُّ في (تاريخه): كان ورعا، فاضلا، رابط بِأَذنَةَ 56 ، وبها توفي في سنة ثلاث وستين ومائتين رحمه الله. 57 15- أبو بكر محمود بن الفرج الأصبهاني قال أبو نعيم: كان الجهاد والرباط ميسرا له، وكان من دعائه: اللهم اقبضني في أحب المواطن إليك، فخرج إلى طرسوس ثلاث مرات، فمات بها سنة أربع وثمانين ومائتين. 58 المراجع 1- غريب القرآن لابن قتيبة ت أحمد صقر (ص: 117) 2- تهذيب اللغة (13/ 230) 3- مقاييس اللغة (2/ 478) 4- النهاية في غريب الحديث والأثر (1/ 213) 5- المصباح المنير في غريب الشرح الكبير (1/ 81) 6- كتاب " الخراج" لأبي الفرج قدامة بن جعفر البغدادي الكاتب، ملحق بكتاب المسالك والممالك لابن خرداذبة (ص: 253) 7- تفسير الطبري ت شاكر (7/ 508) وط هجر (6/ 337) 8- رواه مالك في الموطأ، ت الأعظمي (1621) عن زيد بن أسلم به 9- رواه الطبري في تفسيره ت شاكر (8394) وغيره، وفي إسناده مصعب بن ثابت، قال الحافظ ابن حجر عنه: لَيِّنُ الحديث. 10- موطأ مالك ت الأعظمي (557) وصحيح مسلم (251) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ومسند عبد بن حميد (91) ومسند البزار (528) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وصحيح ابن حبان (1039) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه 11- تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (1/ 559) 12- تفسير القرطبي (4/ 324) 13- مدارج السالكين (2/ 158) 14- صحيح مسلم (1913) وسنن النسائي (3167) و(3168) وغيرهما . 15- شرح النووي على مسلم (13/ 61) 16- كشف المشكل من حديث الصحيحين (4/ 35) 17- مسند أحمد ط الرسالة (23950) والمعجم الكبير للطبراني (785) وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات. مجمع الزوائد (1/ 113)، وقال محققو ط الرسالة: إسناده صحيح. 18- مسند أحمد ط الرسالة (23951)، وسنن أبي داود (2500) وسنن الترمذي ت شاكر (1621) وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقال الحافظ ابن حجر: ثبت في السنن وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم من حديث فضالة بن عبيد رفعه: فذكره. فتح الباري (12/ 411)، وقال الألباني: صحيح، وقال محققو ط الرسالة: إسناده صحيح. 19- سنن سعيد بن منصور (2413)، وإسناده لا بأس به، ويشهد له حديثا سلمان وفضالة السابقان. وهناك حديث آخر في سنن أبي داود (37) ذُكِرَ فيه أن أبا سالم الجيشاني كان مرابطا مع عبد الله بن عمرو في أحد الحصون بمصر. 20- حلية الأولياء لأبي نعيم (5/ 214). وإسناده حسن إلى خالد بن معدان، وخالد بن معدان تابعي جليل من أهل الشام، جاء عنه أنه قال: أدركت سبعين رجلا من أصحاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ. مات سنة 103 أو 104 ه تهذيب الكمال (8/ 170) 21- ذكره ابن تيمية في شرح العمدة - كتاب الصيام (2/ 845) 22- مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني (1480) 23- مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني (1481) 24- طَرَسُوسُ: بفتح الطاء والراء، والعامة تقول: طَرْسوس، بسكون الراء. والصواب فتحها. مختار الصحاح (ص: 189) وتصحيح التصحيف (ص: 364) للصفدي. وهي تقع في جنوب تركيا الآن، على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وكانت آنذاك من أعظم الثغور بين المسلمين والروم، قال أبو عبد الله الحميري: لم تبن مدينة أعظم غناء عن الإسلام ولا أشد نكاية على الكفرة، ولا أجمع للمجاهدين ولا أبعد صوتاً، ولا أجل مرأى، ولا أتقن بناءً منها. الروض المعطار في خبر الأقطار (ص: 388) 25- "مسائل ابن هانئ" (743) نقلا عن الجامع لعلوم الإمام أحمد - الفقه (8/ 377) 26- مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله (914) 27- تاريخ بغداد ت بشار (1681) 28- شعب الإيمان (6/ 138) 29- صحيح البخاري (26) وصحيح مسلم (83) 30- صحيح مسلم (1913) ولفظه عن سلمان، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان»، وليس فيه " ومن مات مرابطا مات مجاهدا"، وإنما في أحد روايات هذا الحديث عند الطبراني في مسند الشاميين (396) قال: " ومن مات مرابطا في سبيل الله جرى له أجر مجاهد إلى يوم القيامة» 31- مسند أحمد ط الرسالة (470) وسنن الترمذي (1667) وسنن النسائي (3169) من طريق أبي صالح مولى عثمان عن عثمان به، وأبو صالح، قال عنه الحافظ في التقريب: مقبول، أي: عند المتابعة، ولم ٌأقف على متابعة له في هذا الحديث. 32- مجموع الفتاوى (28/ 5) 33- مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه لإسحاق بن منصور الكوسج (8/ 3873) [2766] 34- قال الألباني: ضعيف، كما في إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (5/ 23)، وقد سبق وأن ذكرنا أنه لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة شيء في مدة الرباط. 35- الشرح الممتع على زاد المستقنع (8/ 11) 36- سير أعلام النبلاء ط الرسالة (5/ 70) 37- سير أعلام النبلاء ط الرسالة (7/ 107) 38- سير أعلام النبلاء ط الرسالة (7/ 260) 39- سير أعلام النبلاء ط الرسالة (8/ 378) 40- تقريب التهذيب (3570) 41- سير أعلام النبلاء ط الرسالة (8/ 418) 42- سير أعلام النبلاء ط الرسالة (8/ 386) 43- (الْعِلْج) بِوَزْنِ الْعِجْل: الْوَاحِدُ مِنْ كُفَّارِ الْعَجَمِ. مختار الصحاح (ص: 216) 44- سير أعلام النبلاء ط الرسالة (8/ 408). كَاعَ عَنْهُ، أي: هَابَهُ وَجَبُنَ عَنْهُ. مختار الصحاح (ص: 275) 45- المِصِّيصَة: بكسر الميم، والصاد المكسورة المشددة، ثغر من ثغور الشام. معجم ما استعجم للبكري (4/ 1235) والأنساب للسمعاني (12/ 297). قلتُ: والآن تلفظ ميسيس، بكسر الميم والسين، وتقع على نهر جيحان (ويعرف حاليا بنهر(Ceyhan، شرق مدينة أَذَنَة (أضنة) بحوالي 30 كم، وهي الآن قرية تابعة لولاية أضنة التركية. كما ذكر ذلك الدكتور محمد صادق الحامدي في تعليقه على المتفق والمفترق للخطيب البغدادي 46- سير أعلام النبلاء ط الرسالة (9/ 447) 47- تاريخ الإسلام للذهبي، ت بشار (5/ 977) 48- سير أعلام النبلاء ط الرسالة (9/ 223) 49- تاريخ الإسلام ت بشار (4/ 1150) 50- سَحْنُوْن، بفتح السين، هذا هو الصواب كما قال القاضي عياض رحمه الله في التنبيهات المستنبطة (1/ 15) 51- طبقات علماء إفريقية (ص: 107)، والمُنَسْتِير (بضم أوله، وفتح ثانيه، وسكون السين) كما في معجم البلدان (5/ 209)، كانت من أهم الثغور البحرية في شمال إفريقية، ولا زالت من أهم مدن تونس إلى الآن، وهي تقع في شمال تونس، على ساحل البحر الأبيض المتوسط، بينها وبين القيروان 80 ك تقريبا. 52- سير أعلام النبلاء ط الرسالة (11/ 311) 53- سير أعلام النبلاء ط الرسالة (12/ 450) 54- الإرشاد في معرفة علماء الحديث لأبي يعلى الخليلي (2/ 469) 55- تاريخ بغداد ت بشار (9/ 511) وسير أعلام النبلاء ط الرسالة (12/ 360) 56- أَذَنَة: بفتح الهمزة والذال والنون، على وزن حسنة. الأنساب للسمعاني (1/ 146) ومعجم البلدان (1/ 132)، قلتُ: وتسمى الآن (أضنة) وتقع في جنوب تركيا، على نهر سيحان (ويعرف حاليا بنهر (Seyhan، على بعد 40كم تقريبا شمال شرق طرسوس، وعلى بعد 35 كم تقريبا من ساحل البحر الأبيض المتوسط. 57- سير أعلام النبلاء ط الرسالة (12/ 254) 58- تاريخ أصبهان (1755) وحلية الأولياء (10/ 401) وتاريخ بغداد ت بشار (15/ 110) المصدر... اثبت وجودك
..
|
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
||
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
|
|