من أهم ما ينبغي التركيز عليه في الدرس الحديثي المعاصر: العناية بتأصيل هذا المنهج الحديثي من ناحية شرعية، ثم ناحية عقلية، ثم ناحية تاريخية.
فمثلا، عندما يتناول المدرس أو الأستاذ مسألة اشتراط الضبط فليبدأ بتأصيله من ناحية شرعية كما فعل مسلم في مقدمة التمييز ذاكرا فيه حديث: نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمع فرب مبلغ أوعى من سامع. وبين مسلم وجه الإستدلال بهذا الحديث وهو أن الراوي إذا لم يؤد الحديث كما سمع ووعى فليس داخلا في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم. ومثلا، الأصل والمستند الشرعي في اشتراط العدالة قوله صلى الله عليه وسلم: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار.
وبعد ذلك يتناول المسألة من ناحية عقلية لييين أن قواعد المنهج الحديثي مبني على العقل والنظر. فمثلا، المستتد العقلي لاشتراط الضبط هو لتأمين جانب الخطأ البشري في النقل. وذلك لأن الخبر المروي معرض للتحريف من جهتين: جهة التعمد وهو الكذب وجهة الخطأ وهو الغفلة والسهو الذي يعتري كل إنسان مهما علا كعبه وبلغ علمه. وتشترط العدالة لتأمين جانب التحريف المتعمد في النقل.
وبعد ذلك يبين المدرس التأصيل التاريخي لوجود اشتراط الضبط -مشيا على مثالنا - عند المحدثين فيذكر أن أول من صرح باشتراط الضبط بقسميه الشافعي في رسالته ثم مسلم في مقدمة صحيحه وكتابه التمييز والترمذي في علله الصغير، اضافة الى التلميح الى اشتراط الضبط قبل ذلك مما يعلم من دراسة صنيع الأئمة قبلهم. فمثلا بعض من سبق الشافعي يثبتون عدالة بعض الرواة ومع ذلك يصرحون بعدم قبول روايتهم. فهؤلاء الأئمة- وإن لم يصرحوا باشتراط الضبط - فهو المفهوم من كلامهم ولازم قولهم، والله أعلم.
المصدر...