لم يثبت أي حديث بالصحيحين في تحديد الخلافة الراشدة، أي لا يوجد شيء اسمه خلافة راشدة وخلافة غير راشدة. توجد في السنن والمسانيد أحاديث مختلف بها، ولكن الملاحظ أنه عند أشد الحاجة إليها أيام الفتنة بين الصحابة والنزاع على الخلافة لم يذكرها أحد قط، ولم يعرفوها رغم الحاجة إليها، مما يدل على أنها لم تُعرف إلا بعد عصر الصحابة. بينما الحديث الصحيح الذي يحدد الخلافة هو في صحيح مسلم:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يزال هذا الأمر عزيزا إلى اثني عشر خليفة»، قال: ثم تكلم بشيء لم أفهمه، فقلت لأبي: ما قال؟ فقال: «كلهم من قريش». وهذا يتعارض مع تفاسيرهم للأحاديث عن الخلافة الراشدة.
وإليكم أبرز هذه الأحاديث التي ليست في الصحيحين ولا على شرطهما:
حديث: «تَدُورُ رَحَى الْإِسْلَامِ لِخَمْسٍ وَثَلاثِينَ أَوْ سِتٍّ وَثَلاثِينَ أَوْ سَبْعٍ وَثَلاثِينَ فَإِنْ يَهْلِكُوا فَسَبِيلُ مَنْ هَلَكَ وَإِنْ يَقُمْ لَهُمْ دِينُهُمْ يَقُمْ لَهُمْ سَبْعِينَ عَامًا». قُلْتُ: أَمِمَّا بَقِيَ أَوْ مِمَّا مَضَى؟ قَالَ: «مِمَّا مضى».
ابتداء خلافة علي في ذي الحجة سنة 35 فهذا ما قصده من وضع هذا الحديث. أي قصد من تاريخ الهجرة علما أن المسلمين لم يكونوا يؤرخون من تاريخ الهجرة إلا منذ عهد عمر بن الخطاب. ولو صح الحديث لعارض حديث سفينة لأن هذا الحديث يخرج عليا من الخلافة ويجعلها إلى تاريخ 35 هـ. ثم ما معنى تحديد أن الدين سيقام لسبعين سنة وكأن ظاهر الحديث أن الدين سينقض بعدها؟ هل انتقض الدين عند بيعة هشام بن عبد الملك؟ أم شهد الإسلام أكبر دولة إسلامية إلى اليوم؟ المشكلة هي العاطفة الزائدة وعدم التفكير بهذه الأسئلة البديهية.
خلافة على منهج النبوة
روى أحمد حدثنا سليمان بن داود الطيالسي (والحديث في مسنده 439)، حدثني داود بن إبراهيم الواسطي، حدثني حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير، عن حذيفة مرفوعا: "تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت". قال يزيد بن النعمان: أرجو أن يكون عمر بن عبد العزيز بعد الملك العاض والجبرية.
قال البزار: "هذا الحديث لا نعلم أحدا قال فيه: النعمان عن حذيفة إلا إبراهيم بن داود"، يقصد داود بن إبراهيم الواسطي. وليس فيه إلا توثيق الطيالسي، والطيالسي هو من الرواة وليس من أئمة الجرح والتعديل. ومن الوارد أن الواسطي هو داود بن إبراهيم قاضي قزوين المعروف بالكذب، كما ذهب إلى هذا ابن الجوزي، إذ أن كلاهما مذكور أنه يروي عن شعبة. وقد روي الحديث عن كعب الأحبار، وأخشى أن يكون هو أصل الحديث، والله أعلم.
حديث: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي سبق بيان ضعفه بالتفصيل:
http://ibnamin.com/sunnat_khulafa.htm
والخلاصة أنه ليس للحديث إلا طريق ثابت متصل واحد وهو طريق: عبد الرحمن بن عمرو السلمي الحمصي عن العرباض بن سارية الصحابي الحمصي (ت75هـ). أي عبد الرحمن بن عمرو -وهو مجهول الحال-، تفرد به من بين أهل حمص. وكل ما ذكروا في تراجمه لا يعطيه أكثر من التعديل في العدالة. ورجل مستور لا يتحمل التفرد بحديث من أصول الدين، مع ما فيه من نكارة.
حديث سعيد عن سفينة: "الخلافة بعدي في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك". وقد جاء بعدة ألفاظ بسبب اضطراب سعيد منها: "خلافة النبوة ثلاثون سنةً، ثم يؤتي اللَّهُ الملكَ من يشاء، أو ملكه من يشاء". ومنها "الْخِلاَفَةُ ثَلاتُونَ سَنَةً، وَسَائِرُهُمْ مُلُوكٌ". وهناك زيادة: "قال سعيد: فقلت له: إن بني أمية يزعمون أن الخلافة فيهم؟ قال: كذبوا بنو الزرقاء، بل هم ملوك من شر الملوك".
ومدار الحديث على سعيد بن جهمان، وهو ضعيف عند أكثر العلماء على قلة حديثه. وسفينة لا تصح صحبته، كما بينا بالتفصيل هنا:
http://ibnamin.com/khilafa_30.htm
وقد يقول البعض أن الألباني يصحح هذه الأحاديث وأن بعض المتقدمين قد صحح بعضها؟ أقول هذا لا يخرجها عن أنها مختلف بها وليست أحاديث مجمع على صحتها ولا هي في الصحيحين ولا تنطبق عليها شروط الصحة التي عند الشيخين. وفوق هذا ففيها نكارة وتعارض بين بعضها الآخر، فحكمها للاستئناس ولا يصح أن تستخدم لمعارضة الأحاديث الصحيحة!
المصدر...