اخْتَلَّتْ ضَوَابِطُ وَقُيُودُ تَقْويَةِ الضَّعِيفِ، فَجَاءَتِ الأَحْكَامُ خَاطِئَةً !.

الْحَمْدُ للهِ حَمْدَ مُسْتَمْنِحٍ مَزِيدًا مِنَ الإِحْسَانِ وَالإِمْدَادِ، وَمُسْتَلْهِمٍ التَّوْفِيقَ إِلَى سَبِيلِ الْهُدَى وَالرَّشَادِ. وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ الأَكْمَلانِ عَلَى مَنْ لا تَزَالُ أَحَادِيثُ شِرْعَتِهِ سَالَمَةَ الْمُتُونِ صَحِيحَةَ الإِسْنَادِ، وَصِحَاحُ أَخْبَارِهِ أَنْدَى مِنْ قَطْرِ النَّدَى عَلَى الأَكْبَادِ، وَأَوْضَحُ دِلالَةً مِنْ سَرَيَانِ الأَرْوَاحِ فِي الأَجْسَادِ، وَحَمَلَةُ آثَارِهِ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ مِنَ الْعِبَاد، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أُولِي التَّوْفِيقِ وَالسَّدَادِ.
وَبَعْدُ ..
فَقَدْ تَقَرَّرَ وَتَأَكَّدَ: تَمْيِيزُ صِحَاحَ الأَحَادِيثِ وَتَمْحِيصُهَا، وَتَنْقِيَتُهَا مِنَ الْمَنَاكِيْر وَالشَّوَاذِّ وَتَخْلِيصُهَا، فَلا يُقْبَلُ مِنَ الرِّوَايَاتِ مَا كَانَ شَاذًّا أَوْ مُعَلاًّ، وَلا يُحْتَجُّ بِمَنْ كَانَ مِنَ الرُّوَاةِ وَضَّاعًا أَوْ كَذَّابًا أَوْ مَتْرُوكًا مُكْثَرًا أَوْ مُقِلاًّ .
قَالَ الإِمَامُ أبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ: « فَلَوْلا الَّذِي رَأَيْنَا مِنْ سُوءِ صَنِيعِ كَثِيرٍ مِمَّنْ نَصَبَ نَفْسَهُ مُحَدِّثَاً فِيمَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ طَرْحِ الأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ، وَالرِّوَايَاتِ الْمُنْكَرَةِ، وَتَرْكِهِمْ الاقْتِصَارَ عَلَى الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ، مِمَّا نَقَلَهُ الثِّقَاتُ الْمَعْرُوفُونَ بِالصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ، بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ، وَإِقْرَارِهِمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ: أَنَّ كَثِيرَاً مِمَّا يَقْذِفُونَ بِهِ إِلَى الأَغْبِيَاءِ مِنْ النَّاسِ هُوَ مُسْتَنْكَرٌ، وَمَنْقُولٌ عَنْ قَوْمٍ غَيْرِ مَرْضِيِّينَ، مِمَّنْ ذَمَّ الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ أَئِمَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ، مِثْلُ: مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَشُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ الأَئِمَّةِ، لَمَا سَهُلَ عَلَيْنَا الانْتِصَابُ لِمَا سَأَلْتَ مِنْ التَّمْيِيزِ وَالتَّحْصِيلِ، وَلَكِنْ مِنْ أَجْلِ مَا أَعْلَمْنَاكَ مِنْ نَشْرِ الْقَوْمِ الأَخْبَارَ الْمُنْكَرَةَ بِالأَسَانِيدِ الضِّعَافِ الْمَجْهُولَةِ، وَقَذْفِهِمْ بِهَا إِلَى الْعَوَامِّ الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ عُيُوبَهَا، خَفَّ عَلَى قُلُوبِنَا إِجَابَتُكَ إِلَى مَا سَأَلْتَ».
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ أَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ ثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بِشْرٍ بَكْرَ بْنَ خَلَفٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: لا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَشْغَلَ نَفْسَهُ بِكِتَابَةِ أَحَادِيثِ الضُّعَفَاءِ، فَإِنَّ أَقَلَّ مَا فِيهِ أَنْ يَفُوتَهُ بِقَدْرِ مَا يَكْتُبُ مِنْ حَدِيثِ أَهْلِ الضَّعْفِ يَفُوتَهُ مِنْ حَدِيثِ الثِّقَاتِ.
وَقَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي الْفَتْحِ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِئُ أَنْشَدَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُبَيْشٍ:
يَا طَالِبِي الْعِلْمِ وَالرِّوَايَـــاتِ ... إِنَّ الرِّوَايَــاتِ ذَاتُ آفَـــاتِ
لا تَأْخُذُوا الْعِلْمَ عَنْ أَخِي تُهَمٍ ... إِلاَّ عَنِ الْجَائِزِ الشَّهَادَاتِ
إذَا رَضِيتُمْ مِــنْهُ الأَمَانَـــةَ وَالدِّ ... يـــنَ لَهُ طَوِّقُـــوا الأَمَانَــاتِ
وَهَذَا التَّقْرِيرُ عَظِيمُ النَّفْعِ لِمَنْ تَدَبَّرَ فَحْوَاهُ، وَفَهِمَ غَايَتَهُ وَمَرْمَاهُ، وَعَمِلَ بِدِلالَتِهِ وَمُقْتَضَاهُ.
فَلْيَكُنْ هَذَا أَوَّلَ مَقَاصِدِ بَيَانِ مَا يَلِي:
حُكْمُ تَقْوِيَةِ الْحَدِيثِ الضَّعِيفِ بِالْمُتَابَعَاتِ وَالشَّوَاهِدِ
المصدر...