وهو الذي أخرجه مسلم في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة، أنها قالت: "كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن، بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهن فيما يقرأ من القرآن"([1]).
فهذا الحديث قد أشكل متنه على كثير من أهل العلم, ليس في تحديد عدد الرضعات, فإنها ترجع إلى اجتهاد المفتي, أو العالم, وليس فيما زُعم أنه كان من القرآن ثم نسخ, إنما أشكل منه القول بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وهن فيما يقرأ من القرآن. حيث إن فيه نسبة شيء من القرآن الذي يجب أن يلحق بالمصحف ثم لم يلحق به.
وقد صح الحديث بغير الزيادة في آخره من طرق أقوى من طريق عبد الله بن أبي بكر راويه هذا, وهو الذي رواه مسلم بعده مباشرة من طريق: يحيى وهو ابن سعيد، عن عمرة، أنها سمعت عائشة، تقول: - وهي تذكر الذي يحرم من الرضاعة قالت عمرة: فقالت: عائشة - «نزل في القرآن عشر رضعات معلومات، ثم نزل أيضا خمس معلومات»([2]).
فهذا بهذا اللفظ أقرب إلى القبول من اللفظ الأول.
وأما اللفظ الأول فقد أخذت عليه مآخذ, منها:
1- أن هذا اللفظ لم يروه عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا عائشة, مع أنه مما تتوافر الدواعي على نقله, وتنتفي الموانع, فهو يتكلم عن شيء من القرآن قد ضاع من أن يذكر في المصحف, فلو احتج بأنه منسوخ لم يقبل ذلك, لأن لفظ الحديث يأباه, حيث توفي رسول الله وهن فيما يقرأ من القرآن, فأين سائر الصحابة من هذا اللفظ؟. وأين الذين شهدوا العرضة الأخيرة على رسول الله عليه الصلاة والسلام, وكيف خفي عنهم هذا وهو مما تقتضي العادة حرصهم عليه وعنايتهم به؟.
2- وقد دافع بعضهم عنه بأن معناه أن النسخ بخمس رضعات تأخر إنزاله جداً, حتى إنه صلى الله عليه وسلم توفي وبعض الناس يقرأ خمس رضعات ويجعلها قرآنا متلوا, لكونه لم يبلغه النسخ لقرب عهده فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك وأجمعوا على أن هذا لا يتلى, وهذا تكلف لا يخفى, يرده ما جاء في ألفاظ الحديث: " وهن فيما نقرأ من القرآن", ففيه أن عائشة الفقيهة العالمة الحافظة لكتاب الله كانت ممن يقرأ هذه الآيات بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذا فيه ما فيه.
3- ولهذا كله لم يمتنع الطحاوي الإمام الناقد من أن يرد هذه الرواية مع أنها في الصحيح, عندما أورد الطرق كلها, ثم قال: (مع أن حديثه – يعني: عبد الله بن أبي بكر – محال؛ لأنه لو كان ما روى كما روى، لوجب أن يلحق بالقرآن، وأن يقرأ به في الصلوات كما يقرأ فيها سائر القرآن، وأن يكون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تركوا بعض القرآن فلم يكتبوه في مصاحفهم، وحاش لله أن يكون كذلك، أو يكون قد بقي من القرآن غير ما جمعه الراشدون المهديون؛ ولأنه لو كان ذلك كذلك جاز أن يكون ما كتبوه منسوخا، وما قصروا عنه ناسخاً، فيرتفع فرض العمل، ونعوذ بالله من هذا القول ومن قائليه([3]).