![]() |
![]() |
آخر مواضيع المنتدى |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||||||
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#1 | |
|
مدير ومالك المنتديان
![]() |
د. فريدريش إيدلماير؛ ترجمة: مؤنس مفتاح: المغرب
الدكتور (فريدريش إيدلماير)، أستاذ في جامعة فيينا بالنمسا، عضو في معهد دراسات التاريخ النمساوي، حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة (فيينا) سنة 1986. وقد عمل أستاذاً زائراً في العديد من الجامعات الإسبانية كجامعة إشبيلية وقرطبة وغرناطة وألكانتي وميورقة. ويعد الدكتور فريدريش إيدلماير من بين أهم الباحثين النمساويين في الأدب الإسباني بالنظر إلى إسهاماته المتميزة في العديد من الكتب والمقالات التي قام بنشرها، كما أن مجالات بحثه تتسم بالتنوع والتعدد، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: دراساته العميقة للتاريخ الإسباني العربي، ثم الأمريكي والإيطالي، بالإضافة إلى التاريخ العالمي، والتاريخ الدبلوماسي، وتاريخ ملكية هابسبورغ. آخر إصدارات الدكتور فريدريش إيدلماير كتاب عن ملك إسباني عنوانه (فيليب الثاني) نشره سنة 2009، وهو من أهم إصداراته المرتبطة بالتاريخ العربي الإسباني. 3 - (المسلمون) و(المدجنون) و(الموريسكيون) بين (التسامح) و(محاكم التفتيش): وضعت الاعتبارات السياسية في المقام الأول قبل الشؤون الثقافية والدينية في الحروب السابقة وفي الاتفاقيات التي أبرمت بين المسيحيين والمسلمين منذ سنة 1484 وإلى غاية 1492. وتُعد بنود (capitulos) معاهدة سنة 1492 خير مثال على ذلك. كما اعتُبر احترام الحقوق والضمانات تقليداً سائداً وذلك بموافقة جزء من رجال الدين، إذ نهج الملوك الكاثوليك سياسية معتدلة نسبياً في السنوات الأولى بعد الانتهاء من حروب الاسترداد معتمدين على دعم (جيرونيموس الأب) (هيرناندو دي تالافيرا) رئيس أساقفة (غرناطة) ما بين سنة 2149 و1508، وهو قسيس الاعتراف للملكة (إيزابيلا الأولى)، الذي كان يروم هدفه بعدم إرغام المسلمين الباقين في الأندلس على تغيير دينهم عن طريق الإكراه أو استخدام القوة، ولكن من خلال النشاط التبشيري والإقناع غير المعنف. ونتيجة لذلك شجع رجال الدين التابعين له على تعلم اللغة العربية، كما سعى خليفتاه المطرانين (دي أبالوس) (1528 - 1542) و(غيريرو) (1546 - 1576) إلى بناء شخصية رجال دين محليين في غرناطة. اتخذت السلطات الكاثوليكية النوايا الحسنة تجاه المسلمين بناء على طلب من رئيس أساقفة (طليطلة)، الكاردينال (فرانسيسكو خيمينيز دي ثيسنيروس) ولكن بداية من سنة 1498 شُرع في اتخاذ تدابير صارمة لتحويل المسلمين المتبقين في البلاد والموسومين بـ(المدجنين) إلى المسيحية. استقر (ثيسنيروس) سنة 1499 في (غرناطة) بهدف القيام بالتبشير وبذل جهداً محموماً لترسيخ العادات والتقاليد المسيحية، فألقى القبض على (محمد الزغري) الواعظ المسلم الأكثر تأثيراً في المدينة وأمر بوضعه في السلاسل وتجويعه حتى يدخل المسيحية. وقد تتابعت حوادث أخرى من نفس النوع، من ذلك أنه أجبر (محمد الزغري) على إضرام نار في محرقة جنائزية كدست مصاحف القرآن الكريم وكتباً عربية أخرى وجدت في غرناطة، فاعتبرت هذه التصرفات المشينة بطبيعة الحال -من لدن المسلمين- إخلالاً بالعقود المبرمة بينهم وبين المسيحيين ما دفعهم إلى التمرد سنة 1499. انطلقت شرارة التمرد من المنطقة التي كان يقطنها مورسكيو (غرناطة) والمسماة (البيازين)، وبذلك التصرف أقبرت فترة التسامح السياسي والديني القصيرة تلك. ومن الجدير بالذكر فإن المملوك- السلطان (الأشرف قنصوه الغوري) كان قد شارك في جزء من المفاوضات التي تمت بين (المسيحيين) و(الموريسكيين) وهدد بالانتقام من المسيحيين الذين يعيشون في مملكته إذا واصل الملوك الكاثوليك نهج سياستهم على نفس المنوال مع المسلمين في إسبانيا. وأمام هذا الوضع أضحى المسلمون أمام اختيارين ارتكز الأول منهما على المقاومة والثاني على رفع نداء استغاثة للحصول على مساعدة من الخارج، إلا أن مسألة الحرب الدائمة بين الملوك الإسبان والأتراك شكّلت دافعاً لعدم احترام المسلمين في الأندلس، كما أنها تسببت في التباطؤ أحياناً في حماية المجموعة المسلمة. بعد الانتهاء من الاشتباكات بين المسلمين والكاثوليك، قام الملك (فرديناند) بإلغاء معاهدة سنة 1491 ووضع (المدجنين) أمام اختيارين إما اعتناق الكاثوليكية أو مغادرة البلاد. غادر جزء من (المدجنين) بمغادرة البلاد، وخضع الباقون للحكم المسيحي شريطة وقف انعقاد (محاكم التفتيش) ضدهم في غرناطة لمدة 40 سنة، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث حيث ظهرت في غرناطة في 20 يونيو من سنة 1501 نشرة ملكية براغماتية تضمنت بالإضافة إلى التغيير الإلزامي للسكان المسلمين لدينهم، حظر سفر (الموريسكيين) المقيمين في (قشتالة) إلى مملكة غرناطة، وطُبقت أوامر تغيير الديانة قسرياً وعلى جميع مناطق (قشتالة) وذلك في 11 فبراير من العام التالي، تلاها في فبراير من سنة 1502 فرض حظر وحصار على القشتاليين المسلمين بهدف إجبارهم على ترك (قشتالة)، الأمر الذي شكل نسفاً لفرضية إمكانية وجود منفى اختياري إلى مناطق إسبانية أخرى، وبعد تعميد المدجنين سنة 1502 حدث تغيير في الاصطلاح للدلالة على مسلمي إسبانيا، ولهذا السبب انتشر في القرن 16 مصطلح (الموريسكيين) للإشارة إلى مجموعة سكانية غيرت دينها أي (المدجنين) أو بمعنى آخر أولئك الذين كانوا في المناطق القشتالية المسترجعة أو سكان مملكة (غرناطة) وذلك بعد قمع انتفاضة (البيازين) مباشرة، كما أنه بعد عشر سنوات من الاستيلاء على غرناطة أصبحت (قشتالة) مسيحية بصفة كلية، إلا أن مملكة بلنسية كانت في ذلك الوقت ما تزال تحتضن كثيراً من السكان المسلمين الذين يتمتعون بحماية قانونية أما (مدجنو غرناطة) فكانوا على النقيض من ذلك. دخلت الاتفاقية التي تم الاستيلاء بموجبها على (بلنسية) (سنة 1248) بالكاد حيز التنفيذ، ولم يتم التأكيد على مقتضياتها إلا بعد أداء الملك (شارل الخامس) اليمين وذلك عند اعتلائه العرش سنة 1518، ومن المعروف إلى حدود سنة 1570 كانت في منطقة (بلنسية) مساجد في كل مكان، وكان يسمع صوت المؤذن في العديد من الأماكن، ومع ذلك أضحى من الصعب على مدجني (بلنسية) و(أراغون) بعد سنة 1500 الوقوف والصمود في وجه دعوات التبشير وضغط الكنيسة الكاثوليكية من جهة، ومحاكم التفتيش من جهة أخرى، ومن الملفت هنا ذكر أن حقوق المسلمين كانت جزءاً من الحقوق الدستورية التقليدية المسيحية آنذاك، حيث كان سكان (أراغون) مستعدين للدفاع عنها بأي ثمن، إلا أن نية بعض نبلاء (أراغون) المسيحيين المبيتة، كانت تهدف إلى سلب عقارات العمال والصناع المسلمين. تفاقم التأثير القشتالي في عهد (فرديناند) وتزايدت عمليات الطرد القسري للأقليات المسلمة خارج (غرناطة)، وفي سنة 1502 تعزز الضغط من أجل إحداث تغيير أكبر، وقد أدت الاضطرابات في بداية عهد (شارل الخامس) ما بين سنتي 1521 و1522 إلى ثورة ما سمي (جرمانياس) والتي قامت خلالها الطبقة المسيحية السفلى والطبقات المتوسطة بالاحتجاج ضد سلطة الملك وطبقة النبلاء. دعم (المدجنون) النبلاء المسيحيين، ومع ذلك فقد تم خلال الثورة التعميد القسري لنحو 70000 من المسلمين المحليين، وبسبب ذلك فقد الإسلام مكانته الآمنة في مملكة (بلنسية)، فطلب (شارل الخامس) من البابا (كليمنت السابع) تحريره من اليمين الذي أداه سنة 1518، تم رفض طلبه، وبدلاً من ذلك تكونت لجنة خاصة للنظر في التعميد القسري برئاسة الرئيس السابق لمحاكم التفتيش (ألفونسو مانريكي) وقد قامت هذه اللجنة بإعادة النظر في شرعيته وقانونيته إلا أنها أكدت في نهاية المطاف شرعيته. أمر (شارل الخامس) في 20 أكتوبر من سنة 1525 كل (المدجنين) في مملكة (بلنسية) إما بتغيير دينهم أو مغادرة الأراضي الإسبانية في تاريخ أقصاه 8 دجنبر من العام نفسه، بعد ذلك بشهر نُشر مرسوم إمبراطوري في هذا السياق تم الحث فيه على أنه يجب على جميع (موريسكي) (بلنسية) كباقي الطوائف الأخرى الحضور للخطب المسيحية وارتداء أهلة (جمع هلال)من القماش الأزرق مرئية على قبعاتهم، كما أبلغوا أنه لا يجوز لهم امتلاك أسلحة هجومية أو دفاعية وترك العمل في الأعياد المسيحية وكذلك عدم الاحتفال بالأعياد الإسلامية. تم تطبيق هذه اللائحة من الشروط في العام التالي على موريسكيي (أراغون) أيضاً. وعلى الرغم من كل هذه القيود، كانت السياسة المسيحية في النصف الأول من القرن 16 تهدف إلى محاولة الإدماج الكامل للأقلية الموريسكية داخل المجتمع الكاثوليكي بدلاً من ترحيلها أو إبعادها عن شبه الجزيرة الآيبيرية، ذلك أن المراسيم كانت في كثير من الحالات تطبق في هذه النوازل بشكل معتدل. ومع وصول (فيليب الثاني) سنة 1556 إلى سدة الحكم، حصل تغيير كبير تجاه سياسة الأقليات في إسبانيا، حيث تميزت هذه الحقبة بارتفاع التعنت والتزمت الدينيين. فبالإضافة إلى مراقبته الشرسة لـ(فرنسا) و(الفرنسيين)، عُرف (فيليب الثاني) ملك إسبانيا في جميع أنحاء أوروبا كقائد للمقاومة المسيحية ضد توسع النفوذ التركي براً وبحراً. وقد ارتفعت في ذلك الوقت بشكل لافت أصوات أولئك الذين كانوا يخشون تحالف (عدو أوروبا الموروث) أي الأتراك مع (موريسكيي) إسبانيا، ولم يعد مغزى التحريض السياسي -ولو بشكل إلزامي- هو خلق الاندماج الاجتماعي المطلق ونسج تقارب للأقليات الدينية والثقافية الإسلامية مع مجتمع كاثوليكي معين، ولكن الهدف الأساس كان هو التمييز والفصل بإبعاد السكان الموريسكيين عن السكان الكاثوليك المتواجدين بالبلاد. 4 - حرب غرناطة وانعكاساتها: ازداد الخطر العثماني على مدى خمسين عاماً خلال القرن 16 - بسبب الخسائر الإسبانية المختلفة في منطقة البحر المتوسط بشكل كبير -، وكان هذا هو السبب الكامن وراء موجة الخوف عند الحكام المسيحيين من المؤامرة التي حيكت خيوطها بين المغاربة المسلمين والإمبراطورية العثمانية ضدهم، ولم تكن السواحل الإسبانية الوحيدة المهددة من قبل الأتراك ولكنهم قاموا كذلك بالحد من ترسيم الطائفية للكاثوليك المثلثين المتزايدة آنذاك، وذلك سنة 1560، الأمر الذي أدى إلى ظهور القمع الديني والخصوصيات الثقافية التي كانت تخفي وراءها الفشل الواضح للتعليم المسيحي. وبذلك تطور جهاز بيروقراطي لا يرحم، كان المسؤولون عنه يحملون أفكار الملك (فيليب الثاني) وقد ساعدهم في ذلك التغيير المتسارع والواضح لـ(محاكم التفتيش). كما كانت التدابير التقييدية لجهاز الدولة وردود الفعل اللاحقة من (الموريسكيين) سبباً في ظهور تمييز اقتصادي واضح، أدى إلى ضعف المحاصيل، فظهرت أزمة ضخمة أرخت بظلالها على تربية دودة القز التي كانت تُمثل أهم سبل كسب عيش (الموريسكيين) في غرناطة، وبالتالي شكل هذا التصرف تهديداً لقاعدة الإسبان الاقتصادية على المدى البعيد، وقد أصدر (شارل الخامس) سنة 1525 مرسوماً تضمن الكثير من الشروط تبلورت على شاكلة محظورات وتوجيهات تلزم (الموريسكيين) باحترامها وتفرض عليهم عدم تغيير دينهم المسيحي. كانت هذه الشروط بداية سارية المفعول في منطقة بلنسية فقط، ولكن بعد سنة جرى توسيع العمل بها إلى منطقة (أراغون) أيضاً (انظر الفصل 3)، حيث سقطت هذه العقوبات بعد ذلك في غياهب النسيان، إذ لم يستسغ (فيليب الثاني) النشرة البراغماتية الإمبراطورية فقام بـ(تهذيبها) ليس لصالح (الموريسكيين) المتحولين إلى المسيحية بل ضدهم، وبذلك شهدت هذه المرحلة السياسية الجديدة، العصيبة والشاقة أي سنة 1563 (مرة أخرى) بداية فرض الحظر على حيازة الأسلحة في (بلنسية). وفي يناير من سنة 1567 صدر مرسوم آخر يمنع (الموريسكيين) من استخدام اللغة العربية في الكلام والكتابة وحيازة الكتب العربية وارتداء الأزياء العربية والتصرف وفق العادات والتقاليد الإسلامية. إن تكثيف البراغماتية من سنة 1525 إلى غاية سنة 1526 كان مما لا ريب فيه السبب المباشر لقيام انتفاضة (البُشرات) Alpujarras، والتي قاوم من خلالها جزء من المسلمين المعمدين من (غرناطة) و(أراغون) و(بلنسية) الإدماج القسري، وعقب نشر المرسوم المذكور أعلاه هددت جماعات مسلحة (موريسكية) السكان الكاثوليك، ووضعت نصب عينيها في المقام الأول الملك والكنيسة وضباط محاكم التفتيش. استمدت هذه الأقليات الثائرة -التي لم يكن لها حاكم- قوتها من التماسك المتواصل للموريسكيين في مناطق (أراغون) و(بلنسية) و(غرناطة)، إذ عمل هؤلاء على تقديم الحماية لهم، وكذا من علاقاتهم الحميمة والوثيقة التي ربطتهم مع الموانئ في المغرب العربي، فكانوا يحصلون على دعم قراصنة شمال أفريقيا، رغم اعتبارهم دخلاء ومسلمين مهاجرين من (شبه الجزيرة الآيبيرية)، فكانت هناك في نفس الوقت محاولة على الصعيد الدبلوماسي لمواجهة تنفيذ قرارات (فيليب الثاني) الآنف ذكرها. وفي هذا السياق وجه الوفد الموريسكي برئاسة (فرانسيسكو نونييث مُولاي) التماساً إلى المحكمة العليا في (غرناطة) وبخاصة إلى (دون بيدرو دي ديسا) رئيس الديوان الملكي في غرناطة، أعرب من خلالها عن رغبته في منع تطبيق التدابير المزمع اتخاذها أو على الأقل تعديلها، لم يحز هذا الطلب المقدم، بأي حال من الأحوال، على النتيجة المرجوة، فوجه الوفد الذي قدمه بسيل كبير من (عدم التفهم أو الإصغاء). تم إرسال بعثة ثانية تحت قيادة (المسيحيين القدماء) فأرسل (خوان إنريكيس) إلى مدريد لمقابلة الكاردينال (دون دييغو دي إسبينوزا)، رئيس (مجلس دي كاستيا) للمفاوضة، وقد فشلت هذه المحاولات كلها رغم الجهود المبذولة، كما واجهت محاولة ثالثة في وقت لاحق نفس المصير، وبالتالي تدهور الوضع بسرعة، وأدى ذلك في نهاية المطاف إلى اندلاع تمرد آخر. بدأ التمرد الذي سمي بـ(حرب غرناطة) في 24 دجنبر من سنة 1568 وقد تزامن ذلك مع محاولة من (هرناندو دي قرطبة وفالور) لقيادة تمرد (مورسكيي) (البيازين)، فكان مصيره الفشل على كل حال، بعد ذلك سحب (هرناندو دي قرطبة وفالور) 4000 رجل وعاد إلى جبال (البشرات)، فأطلق عليه هناك اسم عربي وهو (الملك ابن أمية) وبعد شهر ارتفع عدد المتمردين إلى نحو 150000، فيهم ما يقرب من 45000 رجل تمت استمالتهم تحت تهديد السلاح، وقد قام المتمردون بإجراء اتصالات مع العثمانيين في (الجزائر) العاصمة من أجل تعزيز جانبهم وتنفيذ مخططاتهم، انتشر عقب ذلك خبر هذه الانتفاضة وشاع في كل أنحاء أوروبا، فحرك الخوف والحماس في المسيحيين، ورغم ذلك حاول الجانب المسيحي إعداد نهاية سريعة لهذا التمرد. ولكن هذا التوقع في القضاء السريع على الموريسكيين سرعان ما تلاشى، وكان خطأ فادحاً لأنه بعد أن تم عزل (إينييغو لوبيز دي مندوزا) قائد الوحدات الذي كان ينظم الحملات ضد المتمردين، ظهرت حالة من الفوضى داخل صفوف القوات المسيحية، ما أعطى للمعسكر (الموريسكي) مرة أخرى شحنة من القوة والحماس، كما أن (دون خوان) من النمسا وهو الأخ غير الشقيق لـ (فيليب الثاني) لم يستطع في بادئ الأمر عندما تم تعيينه قائداً عاماً لهذه الوحدات في أبريل من سنة 1569 تحقيق نجاحات باهرة في القضاء على (الموريسكيين)، وقد تلقى الملك الإسباني بموازاة مع ذلك وفي نفس الوقت الأخبار التي تفيد بأن (سليم الثاني)، خليفة (سليمان الثاني) (المعظم) يستعد للدخول في حرب مع المسيحية. اتسعت الشائعات مرة أخرى حين تعمد (الباب العالي) -ونقصد هنا العثمانيين- إرسال قوة هائلة لإغاثة المتمردين، وعلى إثر ذلك تسرب الفزع إلى نفوس المسيحيين مخافة انضمام كل مسلمي إسبانيا المهاجرين لمناصرة انتفاضة غرناطة. وقد حملت نقطة التحول لصالح الجيش المسيحي بصمة دموية، حيث سقط العديد من القتلى وقد كان ذلك في بداية سنة 1570، وارتباطاً مع هذا تم في 18 أبريل من سنة 1570 الانتهاء من إعداد العقود والوثائق الأولية لإخضاع (الموريسكيين) بصفة نهائية. خلال ذلك انقسم (الموريسكيون) إلى معسكرين، فتم إخضاع المعسكر الأول، أما المعسكر الثاني فقد أخذ الجبال ملجأ له، رافضاً الاستسلام، غير أن جزءاً كبيراً من هؤلاء المتمردين انتهى بهم المطاف إلى الاستسلام والتنازل عن الأسلحة وتسليمها وذلك في شهر ماي من نفس السنة. ومن الجدير الإشارة هنا إلى أن (الموريسكيين) الغرناطيين عادوا خلال مرحلة الثورة ما بين سنة 1568 - 1570 إلى الإسلام مرة أخرى، الدين الذي لم يتخلوا عنه في الحقيقة طوال مقامهم في إسبانيا. لقد رفض (الموريسكيون) إلى حد كبير في مناطق استيطانهم المغلقة في (غرناطة) و(أراغون) و(بلنسية) التعليم المسيحي الكاثوليكي، وقد كان هذا مسوغاً كافياً لغياب الاهتمام بالعادات غير المسيحية سواء تعلق الأمر بـ(موريسكيي) المناطق الأخرى أو بالأشخاص المتحولين عن دينهم الذين يعيشون في محيط مسيحي. كانت العواقب التي نتجت عن هذه الانتفاضة خطيرة للغاية، لأنها أسكتت وللأبد تلك الأصوات التي دعت في بدايتها إلى اندماج تدريجي، حيث تم في محكمة مدريد إبعاد ممنهج لموريسكيي مملكة (غرناطة) وفُرض عليهم قهراً مغادرة منازلهم سنة 1570. وبعد طردهم من غرناطة، دخل (الموريسكيون) إلى مملكة (بلنسية) وبدرجة أقل إلى مملكة (أراغون) وقد عرفت (قشتالة) و(نافارا) جراء هذه الهجرة نمواً سكانياً كبيراً، ما أثار مخاوف الغالبية المسيحية، حيث أخذت فكرة طرد (الموريسكيين) من كل شبه الجزيرة الآيبيرية تتبلور وتترسخ بشكل متواصل ومضطرد، ومع ذلك كان المسيحيون يخشون من التأثير الاقتصادي السلبي نتيجة طرد الموريسكيين نظراً لكونهم (خبراء) في مجال هندسة المياه والبيئة، ولم يكن هناك أي من الفلاحين المسيحيين الذين يمتلكون نفس القدر من معرفتهم وخبرتهم في هذه المجالات، وعلاوة على ذلك، كان (المطارنة الإسبان) و(الفاتيكان) يتخذون موقفاً إيجابياً تجاه فكرة الطرد هذه، ذلك أنه وفقاً للرأي السائد، فإن (الموريسكيين) على الرغم من (التعميد) ليسوا في الأساس والواقع سوى مسيحيين (مزيفين) حيث كانوا لا يزالون يمارسون سراً شعائرهم وصلواتهم. كان لمحاكم التفتيش، في هذه المرحلة على وجه الخصوص، مطلق الحرية في متابعة هذه المجموعة الخاصة حتى ولو لم تكن دائماً في تناغم مع السلطات العلمانية. إذ تم في بداية القرن 17 تحديد الأنشطة السياسية والجدل الديني لـ(محاكم التفتيش) حول التهديد المزعوم من (مجموعة الموريسكيين) الذين كانوا يعيشون في إسبانيا تحديداً، كما كانت من بين الموضوعات التي تمت مناقشتها بقوة في الكنيسة ومع الجمهور في إسبانيا والدليل على ذلك أن هذه الأفكار انعكس تأثيرها على الفكر الإسباني فبدت بجلاء في أحد أهم روائع الأدب الإسباني وهو (دون كيشوت) لـ(سرفانتس). وقد ظهرت في إسبانيا فئات معينة من السكان أرادت طرد (الموريسكيين) نظراً للتهديد العثماني للمسيحيين في البحر الأبيض المتوسط، وقد كان هؤلاء رغم اندماجهم في المجتمع ظلوا متشبثين بهويتهم الدينية والعرقية. وفي نفس السياق يجب التذكير بأن (فيليب الثاني) كان قد جهز بعثة إلى أفريقيا، وذلك بهدف الاستيلاء على مدينة العرائش التي كان يتمنى أن تكون تحت سطوته وسيطرته، كما اتخذ في آخر المطاف قراراً نهائياً للعمل بمقترح مستشاره (دوق فون ليرنا) للامتثال لاقتراح مجلس الدولة وطرد (الموريسكيين) من كامل مناطق سيادته وذلك سنة 1582 لأسباب رأى أنها تتعلق (بالأمن القومي). ورغم كل تلك المحاولات فإن مرسوم (الترحيل) لم يصدر بشكل رسمي ونهائي إلا في 4 أبريل من سنة 1609 وذلك على عهد (فيليب الثالث)، حيث كانت عواقبه وخيمة سواء بالنسبة لإسبانيا أو للنازحين. تم تقسيم أراضي الموريسكيين تدريجياً بين الملاك المسيحيين، وتم تعويضهم في بداية الأمر بإعانات جزئية عن خسائرهم، وأما على المدى الطويل فقد كان من غير الممكن لهذه الإعانات أن تعوضهم عن خسائرهم الفادحة في الممتلكات والأرواح، إذ تم على سبيل المثال إتلاف أنظمة الري في المناطق الخصبة كمجمعات المياه بمنطقة (إبرُه) وكذا القضاء على تربية دودة القز في (بلنسية) و(غرناطة) وتدمير حقول (زراعة الأرز وقصب السكر) التي كانت قد عرفت في (بلنسية) انتكاسات كبرى. لقد كانت الطرق التي شقها النازحون جنوباً تتعرض كثيراً للهجمات والنهب والسلب، وقد قُتل العديد من المسلمين هناك، وتم نقل مجتمعات بأكملها بعد ذلك عن طريق البحر إلى شمال أفريقيا -خصوصاً الجزائر والمغرب وتونس-، وقد تمت الدعوة في المغرب العربي إلى تسوية لهذه المشاكل، غير أن هؤلاء النازحين أثاروا الانتباه إليهم بسبب آرائهم وسلوكياتهم التي كانت تشبه سلوك المسيحيين. لم تتوقف عمليات الطرد إلا في سنة 1614 وقليلون هم الذين نجوا من ذلك، كما قام بعض هؤلاء ممن لم يجدوا عملاً، بممارسة القرصنة، ولكن معظمهم ساروا على درب التعايش السلمي، الأمر الذي أدى إلى نسيانهم تدريجياً مع مرور الزمن. المصدر... اثبت وجودك
..
|
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
||
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
|
|