الموريسكيون وتقاليد الصيام بعيداً من مراقبة الشرطة
كاتبة المقال ناديا ظافر شعبان لصحيفة الحياة اللبنانية 25/12/2000
انتهى الإسلام السياسي في الأندلس في الثاني من كانون الثاني يناير عام 1492، إلا ان احتضاره الاجتماعي استمر حتى عام 1615، تاريخ الطرد النهائي للموريسكيين - المسلمون الذين أجبروا على التنصر - من اسبانيا. وظل الموريسكيون في مناطق تجمعاتهم الكبرى في غرناطة وفالنسيا واراغون، وفي مختلف مناطق شبه الجزيرة الايبيرية، يمارسون بالخفاء معتقداتهم الدينية، على رغم معرفتهم انهم مراقبون مراقبة شديدة من قبل جيرانهم أو من قبل الذين يعملون معهم. لجأ الموريسكيون للاغتسال بماء البحر في المدن والقرى الساحلية، ليقيموا شعائر الصلاة، وكانوا حريصين على تأدية واجب الصيام في شهر رمضان، تاسع أشهر السنة الإسـلامـيـة، فينقـطعـون عـن تناول الطعام أو الشراب طوال النهار، ويفطرون بعد مغيب الشمس، وملفات محاكم التفتيش مليئة بأخبار المتنصرين الذين كانوا يصومون في شهر معين، خلافاً لعاداتهم في أيام عادية أخرى:
< في عام 1582، حوكم الموريسكي ميغيل كايوسا، الذي يعيش قرب بلدة ريال دي غانديا، لأنه انقطع عن تناول الطعام والشراب في شهر صيام المسلمين. وكان يعمل في معصرة قصب السكر مع موريسكيين آخرين، يصومون مثله، ولا يحملون الطعام الى مكان عملهم في ذاك الشهر، ويأكلون عندما تغيب الشمس، أما في الأيام العادية الأخرى، فقد كانوا يتناولون الطعام مع المسيحيين في ساعات معينة.
< وفي عام 1593، حوكم الموريسكي فرنسيسكو اسان، الذي يعيش في قرية ماتيت، وأعلنت ابنته خيرومينا المتزوجة من المسيحي خايمي مينغيز، انها رأت والدها البرذعي يقيم الشعائر الإسلامية، فيصوم رمضان، ويغسل يديه حتى المرفقين، ويغسل وجهه وأنفه ورجليه، ويرتدي قميصاً نظيفاً، ويجلس فوق حصيرة، يخفض رأسه ويرفعه، وهو يقول على حد زعمها "بسم الله، العالمين، الرابين". وأكدت خيرومينا في افادتها، ان والدايها كانا يحاولان اقناعها أن تتوضأ وتصلي، ويجبرانها على أن تصوم.
كان صيام الموريسكيين يبدأ منذ أن يُرى هلال رمضان، وينتهي مع ظهور قمر شوال، يشهد على ذلك اثنان من المسلمين الورعين، وإذا شاهد مسلم واحد القمر، كان عليه أن يخبر الفقيه، بانتظار شهادة مسلم آخر، ليعلن بدء الصيام رسمياً، وينقل الخبر الى القرى والبلدات الأخرى. وفي حال عدم ظهور القمر بوضوح، كان الموريسكيون يعمدون الى احتساب قمر شهر شعبان، ويصومون بعد ثلاثين يوماً من ظهوره.
وفرض الصيام على الموريسكيين جميعاً، يبدأه الفتى في السابعة عشرة من عمره، أو قبل ذلك إذا عرف الأحلام التي ترافق بداية المراهقة. أما البنت فكانت تبدأ الصيام في الرابعة عشرة، أو قبل ذلك، إذا بلغت. وكان يعفى من الصيام، الشيخ الذي لا تسمح له قواه الجسدية القيام بواجبه، والمسلم الذي يعمل في خدمة مسيحي - لأن عليه أن يتناول الطعام في الساعات التي يحددها له سيده - وسجين محاكم التفتيش الذي كان أهله ملزمين باطعام فقير، إذا كانت أحوالهم المادية جيدة، أو هم يضطرون لصيام ثلاثين يوماً عن ابنهم أو أخيهم. أما المرأة فقد عفيت من الصيام في حالين: إذا كانت حاملاً في أشهرها الأخيرة، أو إذا كانت ترضع وليدها.
أما السحور - كان يعني في المخطوطات الالخميادوية طعام الافطار، اضافة الى انه طعام ما قبل الفجر - فكان يبدأ مغيب الشمس، ويسمح بتناوله حتى تمييز الخيط الأبيض من الخيط الأسود. وكان أشخاص معينون في كل حي، يدعون للسحور، يجوبـون الأحيـاء ويطـرقون أبواب المنازل، ولا يبتعدون عنها قبل أن يجيبهم من في الداخل، مما يعني ان أهل البيت قد استيقظوا ليصنعوا طعام السحور، وليـقـيـموا صـلاة الفجر.
مثل "المسحر" أيضاً أمام محاكم التفتيش، ففي عام 1606، حُوكم فرنسيسكو ديسكالز الذي كان يسكن في قرية كوثنتانيا، لأنه يعيش مثل المسلمين، ويعزف على العود متنقلاً من مكان الى آخر، يرافقه متنصر جديد يضرب على الدف، وينشد الاثنان أغاني "لمحمد" باللغة العربية، داعيين الناس الى الصيام في الشهر الفضيل ليربحوا المجد.
وكانت "الفطرة" واجباً على كل موريسكي وموريسكية، وهي صدقة عبارة عن سلة قمح، شعير أو بلح، يدفعها رب البيت عن كل الذين يعيلهم في بيته، ويقدمها للمحتاجين في اليوم الأول من شوال، بدءاً من الفجر واستمراراً الى ما قبل مغيب الشمس. وكان الرجل ملزماً بدفع هذه الصدقة عن زوجته، ولو كانت ثرية.
الى كل ذلك، كان لشهر رمضان تقاليد في حياة الموريسكيين، إذ كان من عاداتهم ان يضعوا في فمهم قبل الافطار كمية صغيرة من الملح، يبصقونها بالتالي، ويغسلون حلقهم بالماء قبل أن يأكلوا. وقد حرمت تقاليدهم التقاتل وحفلات سباق الخيل والحياة بترف والزواج، وقد روعيت هذه الأمور جيداً، لأن الموريسكيين كانوا يعتقدون ان من يصوم شهر رمـضـان يدخـل الجنة.
وكانت التقوى تدفع بالموريسكيين الى صيام الأيام البيضاء والأيام التسعة، والى صيام الصابرين، وصيام العديد من الأيام الفضيلة.
بعد ان ينتهي عيد الفطر، كان بعض الموريسكيين يصوم أياماً ستة "البيضاء" التي يعتقدون ان أجرها يوازي، أو هو أكبر من أجر صيام شهر رمضان. أما صيام الأيام التسعة، فيجب أن يتم في المسجد، إذ ينقطع الموريسكيون خلالها عن التعاطي مع الآخرين، ويقضون النهار والليل بالصلاة، ولا يخرجون من الجامع إلا لجلب حاجاتهم من الماء، أو لتجديد التطهر، أو لشراء طعامهم. وصامت الموريسكيات أيضاًَ، ولكن كان يجب أن يرافقهن أزواجهن الى الجامع أو ان يرافقهن محرم كالأب، الأخ، العم أو ابن الأخ أو الأخت.
أما صيام الصابرين فكان يقضي بالانقطاع عن تناول الطعام والشراب طيلة ثلاثة أيام بنهارها وليلها، وذلك للتكفير عن جرائم ارتكبها الموريسكي، وكان يُعتقد ان من يبقى على قيد الحياة، بعد هذه الأيام الثلاثة، غفر الله ذنوبه، وان من يمت خلال هذه الفترة، فمـأواه الجحيم.
صام الموريسكيون الورعون في الثالث من محرم - اليوم الذي عين فيه الرسول صلى الله عليه وسلم الصيام - والعاشر من عاشوراء - لأن للصائم فيه أجراً كبيراً، يوازي أجر عشرة آلاف شهيد ماتوا في الحرب المقدسة - وفي الثاني عشر من ربيع الأول - يوم مولد الرسول - وفي الثالث والسابع والعشرين من رجب، الشهر الذي أكثروا فيه من الصيام، يصومون خلاله الأيام الثلاثة الأولى، والأيام الثلاثة في منتصف وآخر الشهر. وصاموا ورعاً أيضاً أيام الخمـيس من شهر شعبان، والخامـس عشر منه.
المصدر...