![]() |
![]() |
|
|
#1 | |
|
مدير ومالك المنتديان
![]() |
منهج المالقي في شرحه: الدر النثير د. محمد حسان الطيان ملخص البحث: يتناول هذا البحث أثر المخطوطات الشارحة في فن القراءات القرآنية من خلال عرض نموذج جليل لهذه المخطوطات هو الدر النثير في شرح كتاب التيسير لعبد الواحد المالَقي (705هـ). وهو يبين أولا المنهج العام الذي يكاد ينتظم كل ما ألف من متون في هذا الباب، من خلال عرضه لمنهج أبي عمرو الداني (444هـ) في كتاب التيسير. ثم يعرض لمنهج المالَقي في شرحه للتيسير مبينا طريقته في شرح المتن، وما امتاز به من مقارنة كتاب التيسير بكتابي: التبصرة لمكي بن أبي طالب القيسي (437هـ) والكافي لابن شريح (476هـ) ملخصا أصول هذا المنهج في أمور خمسة هي: 1- الاستقصاء والشمول. 2- التعليل وتوجيه الأحكام. 3- التعليم وحل المشكلات. 4- تعقّب الماتن وتحقيق المتن. 5- العناية بعلوم اللغة. 1-كتاب التيسير في القراءات السبع [1]: • مؤلِّفُه: عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد، أبو عمرو الأموي الأندلسي القرطبِي ثم الداني، المعروف قديماً بابن الصيرفي، الإمام الحافظ المحدث شيخ مشايخ المقرئين ولد سنة (371هـ) بقرطبة، وابتدأ يطلب العلم سنة ست وثمانين ثم رحل إلى المشرق سنة سبع وتسعين فحجّ وأفاد علماً وقراءةً، ورجع إلى الأندلس سنة تسع وتسعين ثم سكن سرقسطة سبعة أعوام رجع بعدها إلى قرطبة، ثم استقرّ به المقام بدانية سنة (417هـ). كان أبو عمرو من الأئمة في علم قراءة القرآن وطرقه ورواياته وتفسيره ومعانيه وإعرابه. ولم يكن في عصره ولا بعده من يضاهيه في قوة حفظه وحسن تحقيقه، وفي ذلك يقول: ((ما رأيتُ شيئاً قطُّ إلا كتبته، وما كتبته إلا حفظته، وما حفظته فنسيته [2])). وكانت لَه معرفة بالحديث وطرقه ورجاله ونقَلَتِه. قال عنه الذهبي: ((إلى أبي عمرو المنتهى في تحرير علم القراءات وعلم المصاحف مع البراعة في علم الحديث والتفسير والنحو وغير ذلك)). أخذ أبو عمرو عن الجمِّ الغفير من مشايخ عصره وفي مقدمتهم أبو القاسم خلف بن إبراهيم ابن خاقان المصري الخاقاني (402هـ) وأبو الحسن طاهر بن عبد المنعم بن غَلْبون الحلبِي (399هـ) وأبو الفتح فارس بن أحمد الضرير (401هـ) وعبد العزيز بن جعفر بن خواستي الفارسي (412هـ) وأبو مسلم محمد بن أحمد الكاتب (399هـ). قرأ على أبي عمرو وحدث عنه خلق كثير منهم أبو داود سليمان بن نجاح الأموي (496هـ) وهو أجلُّ أصحابه، وأبو القاسم أحمد بن عبد الملك بن أبي جمرة (بعد 530هـ) وأبو عبد الله محمد بن يحيى بن مزاحم الأنصاري (502هـ) وأبو القاسم خلف بن إبراهيم الطليطلي (477هـ). صنف أبو عمرو تواليف كثيرة بلغت مئة وعشرين كتاباً جلّها في علوم القرآن، وعلى رأسها كتاب التيسير في القراءات السبع، وجملة من كتب القراءات كجامع البيان، وإيجاز البيان، والمفردات، والتمهيد، والإيضاح، والمفصح، والموضح، وله في رسم المصحف: المقنع، وفي نقطه: المحكم. توفي أبو عمرو في سنة (444هـ) ودفن بدانية ومشى السلطان أمام نعشه، وشيعه خلق عظيم، رحمه الله تعالى [3]. • مادة الكتاب ومنهجُه: موضوعُ كتاب التيسير هو القراءاتُ القرآنية على مذاهب القراء السبعة المشهورين بروايات رواتهم المعروفين، وقد صدّر الداني كتابه بذكرهم مترجماً لكلٍّ منهم، وهو لم يخرج في نهجه العام عن سنن المؤلفين في هذا الفن، وإنما حذا حذوهم فكان أنموذجاً للتأليف في فن القراءات. بيد أنه جاء استجابةً لرغبة في الاختصار والتسهيل: ( فإنكم سألتموني أحسن الله إرشادكم أن أصنف لكم كتاباً مختصراً في مذاهب القراء السبعة بالأمصار رحمهم الله، يقرب عليكم تناوله، ويسهل عليكم حفظه، ويخف عليكم درسه [4].). لذلك ما رسم المؤلف لنفسه خطة في الاختصار والإيجاز واليسر جاء فيها: ((... واعتمدت في ذلك على الإيجاز والاختصار، وترك التطويل والتكرار وقربت الألفاظ وهذبت التراجم، ونبهت على الشيء بما يؤدي عن حقيقته من غير استغراق...)). وقد رمى من هذه الخطة إلى تحقيق الغاية التي وضع الكتاب من أجلها وسمَّاه بها، وهي التيسير: ((لكي يوصل إلى ذلك في يسر ويتحفظ في قرب [5]). لقد أخذ الداني نفسه بما رسم من خطّة، إذ تبدّت ضروب الاختصار والإيجاز والتيسير في مظاهر من كتابه، يمكن تبيّنها في كل قسم من أقسامه الرئيسية الثلاثة: الإسناد، والأصول، والفرش [6]. 1- في الإسناد والقرّاء: أي في باب ذكر أسماء القراء والناقلين عنهم [7]. وباب ذكر الإسناد [8]... وفي كل منهما ضرب من ضروب الاختصار: أ- ففي الأول اقتصر الداني على ذكر روايتين لكل قارئ من السبعة: ((وذكرت عن كل واحد من القراء روايتين)) على حين حفلت جلُّ كتب القراءات التي تقدمته بتنوع الروايات واختلافها فابن مجاهد في السبعة يذكر لكل قارئ تلامذتَهُ وإن كثروا فتجاوزوا الخمسة والعشرين قارئاً- كما في تلامذة نافع [9]- ثم هو يعنى ببيان الخلاف بينهم ويناقش رواياتهم [10]. وابن مهران في المبسوط يستقصي في ذكر الروايات حتى تصل إلى تسع روايات لقراءة عاصم [11]، وسبع روايات لقراءة أبي عمرو [12]، على سبيل التمثيل. ب- وفي الثاني اختصر الداني في ذكر الأسانيد فلم يستوعب طرقه المختلفة، بل اكتفى بذكر إسناد واحد للرواية وآخر للتلاوة لكلٍّ من الروايات التي اعتمدها، ثم ختم الباب بقوله: (فهذه بعض الأسانيد التي أدت إلينا الروايات روايةً وتلاوةً وبالله التوفيق [13]) ولم يستغرق ذلك كله سوى صفحات ست من نشرة التيسير، على حين استغرق ذكر الأسانيد في كتاب المبسوط مثلاً نحواً من ثمانين صفحة جاء في ختامها: (فهذه أسانيد القراءات التي قرأنا بها نقلاً وأخذناها لفظاً اختصرناها كراهية الإطالة فيها. [14])!. 2- في أبواب الأصول: وهي الأبواب التي تتناول الأحكام العامة المبنية على قاعدة يطرد القياس عليها. ويتعلق الكلام عليها هنا بثلاثة أمور هي: أ- التنبيه على الشيء بما يؤدي عن حقيقته من غير استغراق، وهذا ما جعل الكتاب أشبه بالمتون التي تقتصر على رؤوس المسائل بإيجازٍ ولكنه غير مخلّ؛ إذ إنه يستوعب كل مذاهب القراء التي اعتمدها وما تنطوي عليه من وجوه أداء مختلفة دون حشو أو إسهاب، بل يؤدي ذلك كله بأوجز عبارة ممكنة؛ من ذلك قوله في باب ذكر الهمزتين المتلاصقتين في كلمة: ((اعلم أنهما إذا اتفقتا بالفتح نحو﴿ أَأَنْذَرْتَهُمْ ﴾ [البقرة: 6] و﴿ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ ﴾ [البقرة: 140] و﴿ أَأَسْجُدُ ﴾ [الإسراء: 61] وشبهه فإن الحِرْميين وأبا عمرو وهشاماً يسهّلون الثانية منهما، وورش يبدلها ألفاً، والقياس أن تكون بينَ بينَ، وابن كثير لا يدخل قبلها ألفاً، وقالون وهشام وأبو عمرو يدخلونها والباقون يحقّقون الهمزتين [15]). ب- الاكتفاء غالباً بذكر مثال واحد لكل ظاهرة من أحكام الأصول؛ ففي باب الإدغام الكبير مثلاً يذكر الداني أمثلةً لجملة من حروف الإدغام، ولا يكاد يتجاوز المثال الواحد للحرف إلا إن تطلبت الحالة تنوّعاً ما؛ كأن يسبق الحرف المدغم بساكن مرة وبمتحرك مرة أخرى نحو: ﴿ فِيهِ هُدًى ﴾ [البقرة: 2] و﴿ إِنَّهُ هُوَ ﴾ [البقرة: 37] [16] ثم هو لا يستنفد كل الحروف المدغمة وإنما يقيس على ما ذكر: ( وما كان مثله من سائر حروف المعجم حيث وقع) إنَّ كل مثال من هذه الأمثلة التي ذكرها الداني هنا غدا شبه عنوان في الدر النثير أفاض المالقي تحته بذكر جميع نظائره في القرآن الكريم على وجه الاستيعاب والحصر [17]. على هذا النحو من التركيز والإيجاز سار الداني في كل أبواب الأصول ثم ختمها بالقول: (فهذه الأصول المطردة قد ذكرناها مشروحةً على قدر ما يحتمله هذا المختصر من تقليل اللفظ وتقريب المعنى ليقاس عليها ما يروى منها فيعمل على ما شرحناه... [18]). ج- عدم العناية بتوجيه القراءات والاحتجاج لها، شأنه في ذلك شأن المختصرات في هذا الفن كالعنوان والتلخيص، خلافاً لأكثر كتب القراءة التي لا تخلو من توجيه واحتجاج كالسبعة والتبصرة والإقناع والتذكرة [19]. وينطبق هذا الأمر على فرش الحروف كما ينطبق على الأصول. 3- في فرش الحروف: وهو ما اختلف فيه القراء من حروف متفرقة لاتؤول إلى قاعدة تنتظمها أو أصل يجمعها، والكلام عليه- في التيسير- يتعلق بملحظين أيضاً: أ- الإشارة إلى مذاهب القراء واختلاف رواياتهم بأوجز عبارة ممكنة؛ إذ ينص الداني على اسم القارئ أولاً (أو مجموعة منهم مختزلاً على طريقته التي بيّنها في المقدمة [20]) ويتبعه بقراءته، ثم يذكر قراءة الباقين دون النص على أسمائهم معتمداً مفهوم المخالفة. من ذلك قوله في فرش سورة البقرة: (نافع) ﴿ حَتَّى يَقُولَ ﴾ [البقرة: 214] برفع اللام، والباقون بنصبها [21])) وقوله في فرش سورة المؤمن: (الكوفيون ونافع) ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ ﴾ [الشعراء: 88] بالياء، والباقون بالتاء [22])). ومن تمام إيجاز الداني في عبارته أنه يسقط منها كلمة (قرأ) التي تعدّ شبه لازمة في فرش الحروف في معظم كتب القراءات. ب- عمد الداني إلى ما لَه نظائر في فرش الحروف- مما لا يندرج تحت أصل من الأصول- فذكر نظائره في القرآن الكريم كله لدى أول ذكر له إن كان مما يطاق حصره، كقوله في فرش سورة البقرة: (ابن عامر) ﴿ فَيَكُونُ ﴾ [البقرة: 117] هنا، وفي آل عمران ﴿ فَيَكُونُ ﴾ [آل عمران: 47] وفي النحل، ومريم، ويس، وغافر، في الستة بنصب النون، وتابعه الكسائي في النحل ويس فقط. والباقون بالرفع [23])). وإن كان من الكثرة بمكان اكتفى بذكر المثال مشفوعاً بعبارة ((حيث وقع)) كقوله في فرش سورة آل عمران: (أبو بكر) ﴿ وَرِضْوَانٌ ﴾ [آل عمران: 15] بضم الراء حيث وقع ما خلا الحرف الثاني من المائدة وهو قوله: ﴿ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ ﴾ [المائدة: 16] والباقون بكسر الراء [24]). أما الحروف التي تندرج تحت أصل من الأصول فلا يذكرها الداني في فرش الحروف البتة خلافاً لبعض كتب القراءات التي أعاد مؤلفوها ذكر بعض الحروف في الفرش أو ذكر أحكامها مع أنها تندرج تحت أصل من أصول القراءات، ككتاب التذكرة [25]، وكتاب العنوان، وكتاب التلخيص [26]. 2- الدر النثير والعذب النمير في شرح كتاب التيسير: ترجمة المؤلف: عبد الواحد بن محمد بن علي بن أبي السَّداد، أبو محمد، الأندلسي الأموي المالقي الشهير بالباهلي والبائع. عَلَمٌ حفلت مصادر التراجم بذكره منذ القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) [27] ولد بمالَقة (بفتح اللام) Malaga- وهي مدينة ساحلية تقع على الشاطئ الجنوبي الشرقي من الأندلس، كانت أيام دولة بني الأحمر العاصمة الثانية بعد غرناطة- ورافقت نشأته قيام مملكة غرناطة في النصف الأول من القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) وهو ينتسب إلى أسرة أوتيت حظاً غير قليل من العلم والفضل فأبوه الشيخ الأجل أبو عبد الله محمد بن علي، وخاله الولي الصالح أبو محمد عبد العظيم بن أبي الحجاج. تلقى المالقي القراءات والتجويد والعربية عن جلّة علماء عصره في بلده مالقة كالشيخ الحسين بن عبد العزيز الأحوص الفهري (699هـ) والقاضي قاسم بن محمد الحجري السكوت (690هـ) والمقرئ الراوية عبد الرحمن ابن عبد الله بن حوط الله الأنصاري. ثم رحل إلى غرناطة وسمع على رواتها وكتب له بعضهم بالإجازة العامة كالمقرئ الراوية إسماعيل بن يحيى العطار الغرناطي، والإمام المؤرخ أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي وغيرهم كثير. ثم عاد إلى مالقة وقد برع في علوم شتى على رأسها القراءات والتجويد والنحو والفقه والأصول، مما خوله أن يكون خطيب مسجد مالقة الأعظم وأستاذ العامة والخاصة من أبنائها. أمَّه الطلبة من كل مكان، وتخرّج به الكثيرون، كالقاضي محمد بن يحيى الأشعري المالقي (741هـ) والقاضي يوسف بن موسى الجذامي، والقاضي محمد بن عبد الله القيسي المالقي (750هـ) وسواهم. خلَّف المالقي مصنفات عديدة في الفقه وعلوم القرآن أجلّها الدر النثير موضوع هذا البحث، وله كتاب الأصول الخمسة التي بني الإسلام عليها والمنتخب في فضائل القرآن [28] وغيرها. توفي سنة (705هـ) بمالقة، وكان الحفل في جنازته عظيماً. * موضوع الكتاب ومحتواه: لابد لنا قبل الشروع في دراسة الكتاب من تحديد زمن تأليفه لما لذلك من أهمية في دراسته، والحق أنه ليس في ما بين أيدينا من تراجم مؤلفه ما يحدد هذا التاريخ أو قريباً منه، بيد أن نسخة من نسخ الكتاب المخطوطة المعتمدة في التحقيق قيّدت ذلك، وهي نسخة مكتبة كوبريلي؛ إذ جاء في ختامها: (قال المؤلف رحمه الله: وكان الفراغ من تأليفه يوم الجمعة تمام ثلاثين لشهر ربيع الثاني من عام سبعة وتسعين وستمئة، والحمد لله رب العالمين. انتهى تعليق هذه النسخة المباركة في يوم السبت ثالث عشر من شهر رمضان سنة خمس وأربعين وألف). وتتجلى أهمية هذا التاريخ (697هـ) في قربه الشديد من تاريخ وفاة المؤلف (705هـ) إذ يدل على أن المَالَقي وضع كتابه هذا في أخريات حياته بعد أن اكتمل تحصيله ونضج علمه واستحصد أمره واستوى فهمه، وأفاد من عمره المديد الذي قضاه عالماً ومعلماً، قارئاً ومقرئاً، واستمدَّ من تراثٍ غنيٍّ وعريق في القراءات وما إليها من علوم العربية. أما موضوع الكتاب فهو القراءات القرآنية؛ إذ شرح فيه المَالَقي كتاب التيسير للداني أشهر كتب القراءات آنذاك، ومضى على سَنَنِه متتبعاً ترتيب أبوابه وفصوله، بيد أنه ألزم نفسه عرض ما فيها من أحكام على كتابَي التبصرة لمكي والكافي لابن شريح وأضاف إليها فصولاً وفقراتٍ قَدَّمَتْ لها، واستدركَتْ نقصَها، وشرحَتْ ما غمض من مصطلحاتها، ولا حاجة بي هنا إلى استعراض أقسام الكتاب وذكر أبوابه وفصوله لأن فيما عرضته من أبواب التيسير غنية [29]، وإنما سأقتصر على ما لم يرد هناك مما زاده المَالَقي على أبواب التيسير فأذكره تباعاً فيما يلي: 1- الإسناد: وقد ذكر فيه المَالَقي أسانيده إلى أصحاب الكتب الثلاثة: الدَّاني ومكي وابن شريح [30]. 2- القسم الأول في تمهيد قواعد وتقرير أصول من باب الإدغام الكبير: وهو سبعة فصول سيأتي الحديث عنها [31]. 3- المد بسبب الحرف الساكن ومد حروف التهجي: وهو كلام طويل زاده المَالَقي على باب المد والقصر مشيراً إلى أنَّ الدَّاني لم يذكره [32]. 4- مسألة في توجيه أحكام النون الساكنة والتنوين الأربعة [33]: وردت إثر ذكر أحكام النون والتنوين. 5- فصل في تهذيب ترتيب التبويب [34]: وقد أورده في ختام أبواب الأصول قبل الشروع في فرش الحروف. إن هذه الفصول بالإضافة إلى ما تقدم من أبواب التيسير وفصوله تمثل مجمل محتوى الكتاب. • طريقته في عرض المادة: سلك المَالَقي في عرض مادة شرحه طريقة واحدة لم يكد يتعداها، تتلخص في النقاط التالية: 1- يستهلّ المَالَقي معظم أبواب الكتاب بتمهيد يشرح فيه مصطلحات الباب، وهو تمهيد يقصر أو يطول تبعاً لحجم الباب وطبيعة مادته، فمثال الأول ما صنعه في بابَي الاستعاذة والبسملة [35]، ومثال الثاني ما صنعه في باب الإدغام الكبير حيث مهد للباب بذكر قواعد وتقرير أصول كسرها على سبعة فصول [36]. وسيأتي الكلام عليها في سمات المنهج [37]. وكثيراً ما ينهي المَالَقي تمهيده للباب بقوله: (وأَرجعُ الآن إلى كلامه في التيسير [38]). 2- يقتطع من كلام الدَّاني في التيسير عبارات يصدِّرُها بقوله: (قال الحافظ رحمه الله) وهي عبارات تطول وتقصر تبعاً لما تنطوي عليه من أحكام [39]، إلا أنها لا تتجاوز في الأعم الأغلب السطرَ الواحد، فإن تجاوز ما يبغي شرحه السطر اقتصر منه على كلمات وأشار إلى طوله بقوله: (إلى آخره) أو (إلى آخر كلامه) أو (الفصل) [40]. وإذا انحصرَتْ بغيتُهُ في تبيين مراد الدَّاني من كلمة أو عبارة قصيرة، فإنه يذكرها مصدَّرةً بقوله: (وقول الحافظ)) أو (وقوله) ثم يبين المراد منها مصدَّراً بكلمة (يريد) [41] وهو في تتبّعِه كلامَ الدَّاني يكاد يستغرق كل ما جاء في التيسير خلا مواضع يسيرة أَعرض عنها لوضوحها وعدم تعلّق أيّ إشكال بها، على أنه لم يدع أن يشير إلى ذلك وما أشبهه بمثل قوله (وكلامه إلى آخر الباب بَيِّنٌ وقد مرّ بيان مقتضاه [42]). وعلى أنه أيضاً كان يتجاوز ما يرد في الأصل من الأمثلة دفعاً لما يقع من تكرار لها عند الشرح إلا إذا كان المثال نفسه مادة للشرح كما في أمثلة الإدغام الكبير. 3- يشرع في شرح عبارة الدَّاني مستهِلاً ذلك غالباً بكلمة (اعلم) حتى غدت هذه الكلمة هي الفاصل بين كلام الماتن وكلامه، وهو يرمي من شرحه إلى توضيح مقاصد الدَّاني في كلامه، وحلِّ ما فيه من إشكال، واستقصاء الأمثلة القرآنية التي يستوعبها ما ذكره من أحكام... إلى غير ذلك مما سيأتي بسط الكلام عليه، وكثيراً ما يعرِّج على كتب الدَّاني الأخرى يستكمل منها نقصاً أو يسدُّ خللاً أو يشرح مسألة أو يبسط مشكلة، وأمثلة ذلك كثيرة متفشِّيَة في الكتاب، وهو لا يقتصر على مؤلفات الدَّاني وإنما يستعين بغيرها من مصادر القراءات المشهورة كالإقناع والكشف والتذكرة وسواها. 4- يختم شرحه للعبارة ببيان قول الشيخ (أي: مكي بن أبي طالب)، والإمام (أي: ابن شريح) في الحكم المذكور أو المسألة المطروحة إمّا اشتملت على حكم من الأحكام، وذلك في كتابيهما التبصرة والكافي سواء وافقا الدَّاني أو خالفاه، وقد يعرض لَه أحياناً أن ينبِّه على أمر أو يثير مسألة فيفرد لذلك فقرة مستقلة تحت عنوان "تنبيه" أو "مسألة". • أبرز سمات منهجه: أَجْمَلَ المَالَقيُّ في مقدمة كتابه الكلامَ على منهجه في الدر النثير بقوله: (فدونك زِيّاً من الدر النثير، ورَيّاً من العذب النمير، في شرح مشكلات وقيد مهملات وحل مقفلات اشتمل عليها كتاب التيسير متبعاً بالموافقة والمخالفة على الأسلوب الكافي فيما بينه وبين كتاب التبصرة والكتاب الكافي، إلى كلام من غيرهما دعت إليه ضرورة التفسير [43]). وهو بهذا الإجمال يفصح عن غايته من الشرح أولاً؛ وهي شرح مشكلات التيسير ثم يبيِّن شيئاً من طريقته وأسلوبه في هذا الشرح؛ وهو تتبُّع ما بين التيسير والتبصرة والكافي من موافقة ومخالفة، والاستعانة بغيرهما من كتب القراءات.. هذا ما أجمله المَالَقي في مقدمته، لكن الدارس المستأني لكتابه يقف على سماتٍ مُميِّزة لمنهج الرجل فيه، نستطيع حصْرَها بما يلي: الاستقصاء والشمول، والتعليل وتوجيه الأحكام، والتعليم وحل المشكلات، وتعقّب الماتن وتحقيق المتن، والعناية بعلوم اللغة. وهذا بيان القول في كل منها: 1- الاستقصاء والشمول: جعل المَالَقي من التيسير أساساً ومنطلقاً لخوضه في مباحث القراءات المختلفة يستوفي الكلام على أحكامها، ويستقي من مصادرها المتنوعة، ويستقصي أمثلتها كاملةً من القرآن الكريم، وهكذا تتحول إشارات الدَّاني وإلماعاتُهُ إلى كلامٍ مستفيضٍ وشرح مستطيلٍ، وتنقلب بلاغةُ الإيجاز إلى بلاغةِ الإطناب. إن سمة الاستقصاء والشمول في الدر النثير تتجلى في مظاهر عدة يمكن أن نذكر منها: أ- الشواهد والأمثلة: لم يكثر المَالَقيُّ في كتابه من شيءٍ إكثارَه من الاستشهاد والتمثيل بآيات القرآن الكريم لدى ذكر أي حكم من أحكام القراءات، فقد غدا مثال الدَّاني الذي يمثل به لحكم من أحكام الأصول عنواناً يضم تحته كل ما كان على شاكلته في القرآن على سبيل الحصر والاستقصاء لا التمثيل والاستدلال، وبذا تحولت أحكام الأصول التي يطَّرد فيها القياس إلى فرش يستوعب كلَّ ما انطبق عليه هذا القياس منسوقاً على سُوَرِهِ ابتداءً بالفاتحة وانتهاءً بالناس، والمَالَقي يلتزم في هذا نهجاً لا يحيد عنه؛ فهو يذكر أولاً جملة ما في القرآن من مواضع ينطبق عليها الحكم المذكور. ثم يبين ما جاء منها في كل سورة مراعياً عدة ما في كل سورة جامعاً النظير إلى النظير، فما كان من السور مشتملاً على موضع واحد ذكره أولاً ثم ما اشتمل على موضعين وهكذا.. إلى أن يستنفد الأمثلة، وهو في كل ذلك يتَّبع ترتيبَ السور في المصحف الشريف، ولتوضيح هذا نمثل بما ذكره المَالَقي في باب الإدغام الكبير عن إدغام الهاء في مثلها إذ قال: (قال الحافظ رحمه الله: نحو قولِه تعالى ﴿ فِيهِ هُدًى ﴾ [البقرة: 2] وشرَعَ يشرحُ أحكام إدغام الهاء في مثلها منتهياً إلى أن جملتَهُ في القرآن أربعة وتسعون حرفاً، ثم أخذ يذكر هذه الحروف مبتدئاً بما جاء منها حرف واحد في سور القرآن: (منها حرف حرف في ثلاث وعشرين سورة. [44])، ثم ثنّى بما جاء منها حرفان: (ومنها حرفان حرفان في عشر سور [45]) فثلاثة: (ومنها ثلاثة ثلاثة في سبع سور) فأربعة. فخمسة. فستة [46]. وهو في كل مرة يلتزم ترتيب السور كما تقدمت الإشارة. إن سمةَ الاستقصاء في الأمثلة هذه- في الدر النثير- تكاد تميزه من سائر كتب القراءات الأخرى على اختلاف أنواعها وأحجامها، ذلك لأن كتاباً منها لم يستقصِ استقصاءَه، ولا أدلَّ على ذلك من موازنته بكتابَي الإقناع في القراءات السبع لابن الباذش والنشر في القراءات العشر لابن الجزري. أما الأول فيقول مؤلفه في تمهيده لباب الإدغام: (ونشرح أصول الإدغام الكبير على حروف المعجم شرحاً شافياً يغني الواقف عليه من النظر في فرش الإدغام إن شاء الله تعالى [47]) ومع ذلك فهو يقول في إدغام اللام مثلاً: ((يدغمها في مثلها، تحرك أو سكن ما قبلها نحو ﴿ يَجْعَلْ لَكُمْ ﴾ [الأنفال: 29] ﴿ جَعَلَ لَكَ ﴾ [الفرقان: 10] و﴿ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ﴾ [إبراهيم: 25] وجملة ذلك مئتا موضعٍ وخمسةَ عشرَ موضعاً أولها في البقرة﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ﴾ [البقرة: 11] وآخرها في الشمس ﴿ فَقَالَ لَهُمُ ﴾ [البقرة: 243] [48]). فيقتصر على ذكر هذه المواضع الخمسة مغفلاً من ورائها مئتين وعشرة مواضع. وأما الثاني وهو المعروف بتوسعه وتعدد طرقه واستقصاء مؤلفه، فإن مؤلفه يقول في الموضع نفسه أي إدغام اللام: (واللام نحو) ﴿ لَا قِبَلَ لَهُمْ ﴾ [النمل: 37] ﴿ جَعَلَ لَكَ ﴾ [الفرقان: 10] وجملته مئتان وعشرون حرفاً، واختلف منها عنه في ﴿ يَخْلُ لَكُمْ ﴾ [يوسف: 9] و﴿ آلَ لُوطٍ ﴾ [الحجر: 59] [49] دون أن ينص على المواضع تحديداً وكذلك صنيعُه في كل موضع تكثر أمثلته؛ إذ يجتزئ عنها بمثالين أو أكثر مفصّلاًَ القول في مواضع الاختلاف وتعدد الطرق. على حين ذكر المَالَقي مواضع إدغام اللام المشار إليها موضعاً موضعاً دون أن يخلَّ بحرفٍ منها [50]، وهذا ديدنه في سائر حروف الإدغام الكبير، بل في كل أبواب الكتاب. بقي أن أشير إلى أن هذا المنهج الذي اتبعه المالَقي في استقصاء الأمثلة مكَّن لَه في إطلاق أحكام ما كانت لتصدر إلا عن استقراء تامٍ وتتبّع دقيقٍ. من ذلك قوله في باب الهمزتين المتلاصقتين في كلمة: (وليس في القرآن همزتان ملتقيتان في كلمة إلا في لفظة واحدة وهي (أئمة) وقعت في القرآن في خمسة مواضع، الأول في براءة. [51]). ومن ذلك نفيه اجتماع بعض حروف العربية في القرآن الكريم، كقولِه: ( وليس في القرآن لام بعدها شين في كلمة واحدة [52])، وقوله: ((وأما الضاد فيدغم فيه سبعة أحرف وهي الطاء والتاء والدال والظاء والذال والثاء واللام، نحو: أمط ضيره، واحفظ ضأنك، وانبذ ضغنك، ولم يقع في القرآن منها شيء، ووجدت البواقي نحو:﴿ فَقَدْ ضَلَّ ﴾ [البقرة: 108] و﴿ وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا ﴾ [العاديات: 1] و﴿ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ [الذاريات: 24] و﴿ بَلْ ضَلُّوا ﴾ [الأحقاف: 28] [53]. ومن هذه البابة أيضاً حكمه بعدم تكرر بعض الكلمات أو التراكيب في القرآن الكريم، فمن الكلمات "مشارب" في [يس 37] ((إذ ليس في القرآن غيره [54])) ومن التراكيب: ﴿ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ﴾ [الغاشية: 5] (إذ ليس في القرآن) ﴿ عَيْنٍ آنِيَةٍ ﴾ [الغاشية: 5] غيره وكأنه يصدر عن معجم مفهرس ينتظم ألفاظ القرآن وتراكيبه [55]. يتبع المصدر... اثبت وجودك
..
|
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
||
|
|
|
|
|
#2 |
![]() |
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
|
|