![]() |
![]() |
|
|
#1 | |
|
مدير ومالك المنتديان
![]() |
أعظم دروس النكبة الأندلسية
محمد إلهامي. لئن كنا نحتاج إلى التاريخ لنتذكر به كيف كنا أمة عظيمة في ظل طوفان الهجوم والتغريب والتشويه، فنحن نحتاج إليه في ذات الوقت لندرك سنن الله في كونه وقوانين الاجتماع والصراع. ولا ينبغي أن يصرفنا التذكير بما كنا فيه من عظمة عما يفيدنا في حاضرنا ومستقبلنا. لقد كانت النكبة الأندلسية من أعظم ما تألمت له الأمة في تاريخها، أن تغرب شمس الإسلام عن أرض أضاءتها ثمانية قرون، ولذلك لم يزل اسم الأندلس بعد خمسة قرون يثير في نفوس المسلمين شجونا ولوعة، إلا أننا نظلم أنفسنا ونظلم التاريخ والحقيقة ونظلم جيلنا والأجيال القادمة إن لم نأخذ منها ما ينفعنا في يومنا الحاضر هذا. في المقالين السابقين (عظماء المحنة الأندلسية، عمالقة في جحيم المحنة الأندلسية) أردت إثبات ما كان عليه الأندلسيون من العظمة والبسالة في التمسك بدينهم، رغم الجحيم الذي أنزله الإسبان بهم وتحت ميزان قوى منهار تماما، إلا أن الحقيقة لا تكتمل إذا توقفنا عند هذه الصورة، وإني لأحسب أن التوقف عندها والسكوت عن نصف الصورة الآخر من قبيل الخيانة التي لا تليق بمن يحترم نفسه، فضلا عمن يخشى الله ويتحملها كأمانة. نصف الحقيقة الآخر هو ما نعرض لصورة منه في هذه السطور: (1)ماذا يفعل الحكام المستبدون بالأمة لقد عاشت غرناطة أياما عصيبة حقا حتى اضطرت إلى الاستسلام في نهاية الأمر، إلا أن هذا الاستسلام لم يكن الخيار الوحيد المتاح، بل لم يصل إليه الغرناطيون إلا بتأثير الحرب النفسية التي شارك فيها ملكهم نفسه، تشير النصوص إلى أن حاكم غرناطة كان يتواصل مع القشتاليين سرا، وأن له يدا في إشاعة “الاستسلام” بين الناس، حتى تقدم إليه وفد من التجار (رجال الأعمال بمصطلح العصر) يطلبون منه الوصول إلى اتفاق تسليم المدينة فاتخذ ذلك ذريعة لعقد هذا الاتفاق الذي هو تتويج لمراسلات سرية جعلت فريدناند يوقف الحرب ويشدد الحصار، ولم يحفل برأي من أرادوا الاستمرار في الجهاد والحرب والمقاومة. وهكذا حصل الحاكم لنفسه على مزايا ومنافع ثم سلَّم البلد[1]. وهكذا هي سنة المستبدين، يملكون البلاد فيتنعمون بخيراتها ويذلون أهلها، حتى إذا جاء دورهم وواجبهم سلموا البلاد وتركوها ونجوا بأنفسهم وأهليهم وأموالهم إن استطاعوا. والمسلمون حين يغفلون عن هذه السنة الماضية التي تكررت قبل كل قصة احتلال وسقوط يسيرون إلى نهايتهم بأيديهم، ويكون ذلك حين يرون في الخروج على المستبد فتنة، ويتساهلون في ترك الشورى، وفي الأخذ على يد الظالم وأطره على الحق، يحسبون بذلك أنهم يحافظون على أمان الناس وأموالهم وأعراضهم ويحفظون البلاد من طمع الأجنبي، بينما الوضع على العكس من هذا: إن ترك جهاد المستبد هو ما يفعل كل هذا، فهو يستذلهم ويستضعفهم في وقت تمكنه، فإذا جاء وقت ضعفه تركهم للأجنبي، بل مهد البلاد والعباد للأجنبي بما نشره فيهم من ضعف وذلة ورغبة في الاستسلام، فيذوق العباد والبلاد مرارة الاستبداد، ثم مرارة الاحتلال، وقد تكون مرارة طويلة طويلة طويلة، بحجم زوال الإسلام من البلد وإكراه الناس على التنصر وترك دين الله. ولذلك لا ينبغي أن يستهين أحد بخطورة مسألة الحكم والسلطة في مصائر الناس، وآثار ذلك على دينهم ودنياهم، وعلى الأمة جميعا . (2) الناس على دين ملوكهم صحيح أن الأندلسيين صمدوا كما لم تصمد أمة، تمسكوا بدينهم كما لم يحدث مثله في التاريخ فيما نعلم، مآثرهم سجلتها وثائق محاكم التفتيش نفسها كما نقلنا في المقاليْن السابقيْن، حتى لم يعد أمام الإسبان بعد مائة وعشرين عاما إلا أن يطردوهم تماما من الأندلس، ولقد أثار ذهولي المتجدد قصة الإسبانية التي أسلم ولدها فرأته يصلي فتذكرت أنها حينما كانت صغيرة كانت ترى جدها يفعل مثل هذا، أي أن بعض الأندلسيين ورث دينه لأولاده على امتداد خمسة قرون رهيبة! هذا صحيح، وهو مثير للإبهار، لكن الصحيح أيضا أن الأمة الأندلسية اختفت وانهارت، وأن شمس الإسلام قد غربت عن الأندلس، وأنها الآن صارت ديار كفر تشارك في الحرب على المسلمين. ولهذا فمهما كان الأندلسيون عظماء كأمة، ومهما ظهر فيما أفذاذ كأفراد، فإن المحصلة النهائية هي زوال هذه الأمة وزوال هؤلاء الأفذاذ، فالناس على دين ملوكهم، ويا ليت شعري كم أندلسي لم يستطع منع ابنه من التنصر، ولا ابنته من الزواج من إسباني، ولا استطاع تعليم أبنائه اللغة العربية أو شعائر الإسلام! لقد نجح أناسٌ، لكن المستحيل كل المستحيل أن نطالب الأندلسيين بالبقاء على دينهم لهذه القرون الطوال كأن شيئا لم يتغير عليهم، هذا هو الخيال والوهم، هذه هي مناقضة القوانين ومعاكسة التاريخ ومخالفة السنن. ذلك ما نحتاجه في واقعنا، أن نفهم أثر السلطة في تغييب دين الناس وإدخالهم في الكفر بعد الإيمان، وتشويهها لهم وتبديلها لهويتهم ومعاركهم، وهذا الانقلاب في مصر دليل شاهد؛ كيف يتحول الناس معه إلى الانهيار: تصير حركة المقاومة عدوا ويصير الصهاينة حلفاء، وتقف البلاد مع إسرائيل إذا حاربت غزة، ويُقتل الفلسطيني إذا عبر الحدود بينما يُفرج عن الجواسيس الصهاينة، وتُحذف من المناهج سير عقبة وصلاح الدين، وتحرق كتب الأئمة والعلماء، فيما تصير الراقصات أمهات مثالية، ويصير الأسافل الأراذل حثالة البشر قادة وموجهين يعتلون المنابر ووسائل الإعلام. إن دين الله باقٍ لا شك، لكن لا يعني هذا أن كل بلد أو شعب اعتنق الإسلام سيظل مسلما، الأمر أكبر وأخطر وأعظم من هذا الوهم، بل استطاعت الدول أن تخرج من بين المسلمين من تنصر ومن تعلمن ومن ألحد ومن تشيع ومن صار حربا على الدين. إن ترك المستبدين، لا سيما إن كانوا عملاء وخدم لأعداء الأمة، يخرج جيلا مثلهم في نهاية الأمر، رغم كل ما يمكن أن يبديه الجيل الأول والثاني والثالث من الصمود والتمسك بالدين. اقرأ: الناس على دين ملوكهم، وليس كما تكونوا يولى عليكم. (3) مشاهد أندلسية ولئن كان الجيل الأول هو الأصلب فلا يعني هذا أنه ينجو من المصائر الموعودة، بل يظهر فيه الفتق الأول في الأمة، ثم يضعف، ويستمر ضعفه باستمرار السلطة القاهرة وتمكنها وتغلبها في النهاية. ومثلما ذكرنا مشاهد العظمة، ينبغي أن نذكر مشاهد المأساة كذلك، وسنأخذها من ذات السجلات المتاحة لمحاكم التفتيش كما في دراسة المستشرق الإسباني لوي كاردياك: “الأندلسيون الموريسكيون والمسيحيون.. المجابهة الجدلية”.
وُلدت ماريا لويز لعائلة أندلسية في قرية غرناطية، وعلمها أهلها الإسلام بعد الحادية عشرة كما كانت عادتهم، وذلك أن القساوسة كانوا يحاولون استدراج الأطفال لمعرفة إخلاص أهليهم فحملهم ذلك على تأخير تعليم الإسلام لأبنائهم حتى سنّ التمييز، وهكذا نشأت ماريا وتعلمت وفهمت وأخلصت للإسلام كما تعلمت كيف تخفي دينها وتراوغ في الاحتفاظ به، وحيث كانت ضمن قرية غرناطية فقد كانت الحياة هادئة، إلا في الأيام التي يفاجئهم فيها القساوسة، وصارت تصلي في المساء وتصوم رمضان كغيرها من أهل القرية، إلا أن تطورا مثيرا حدث في حياتها لا نملك تفاصيله: إذ تزوجت في الرابعة عشرة من أحد “النبلاء” وأخذها معه إلى أمريكا، إلا أنها استمرت محتفظة بدينها حتى السابعة والعشرين، ولما طال عليها الأمد، وبلغت الخامسة والأربعين اعترفت للكاهن في جلسة الاعتراف بأنها كانت مسلمة وأنه لم يزل في نفسها بعض آثار من تعلقها به، وطالبت بأن تُحرق إن كان هذا يطهر روحها. إلا أنهم –ولأسباب اجتماعية سياسية- قرروا عليها غرامة بسيطة إذ استوثقوا من صدق “توبتها”!! فمن منا يرضى لبناته هذا المصير؟ هذا المصير ليس مستحيلا ولا بعيدا، فقط لو استقر في بلاد الإسلام نظام علماني استبدادي يُطارد الدين وأهله وينشر الكفر ويعمل له. __________________________________________________ ________________________________________ [1] مجهول: نبذة العصر ص121 وما بعدها، محمد عبد الله عنان: دولة الإسلام في الأندلس 7/242. [2] لوي كاردياك ص70، 72. [3] لوي كاردياك ص70، 76. [4] لوي كاردياك ص104. [5] لوي كاردياك ص75. [6] لوي كاردياك ص87. [7] لوي كاردياك ص87، 132، 133، 136 وما بعدها. [8] لوي كاردياك: ص126 وما بعدها. [9] لوي كاردياك ص95، 96. [10] لوي كاردياك ص92. [11] لوي كاردياك ص134، 135. [12] لوي كاردياك ص140 وما بعدها. المصدر... اثبت وجودك
..
|
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
||
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
|
|