الخلاف بين نقاد عصر الرواية تطبيقي، وخلاف غيرهم معهم منهجي
إن الراصد المنهجي الموضوعي لأي خلاف في أي مسألة علمية لا بد أن يدرس ذلك بعناية وروية وهدوء من خلال نتائج الاختلاف، والتي يلج منها إلى الأسباب الحقيقة الكامنة وراء هذا الخلاف، ومن خلالها يمكن أن يدرك أن هذا الخلاف تطبيقي، أم منهجي!!
فالخلاف بين نقاد عصر الرواية أنفسهم خلاف تطبيقي (على قلته في المروي ، وزيادته في الراوي)، وخلافهم مع من سواهم ممن جاء بعدهم ( في الغالب) خلاف منهجي، تجاوز الخلاف التطبيقي، وهو واضح وضوح الشمس في رابعة النهار، فحينما تختلف النتائج وتدرس الأسباب تجد مخالفة المتأخرين والمعاصرين (وأخص منهم الشيخ شاكر والشيخ شعيب والشيخ الألباني) كانت في المنهج لا التطبيق(فيما أرى والله أعلم)، وهذا أمر يحتاج إلى التفصيل الدقيق في النقاط الآتية(وكلامي قابل للنقد وليس للاتهام):
أولاً: خلاف النقاد في الحكم على المروي أقل منه في الحكم على الراوي، ذلك أن الحكم على الراوي حكم أغلبي تختلف التقديرات النسبية فيه من نقاد إلى آخر.
ثانياً: خلاف النقاد في الحكم على المروي لم ينتج عن الاختلاف في مسائل نقدية جوهرية، إنما هو اختلاف في تطبيق ما اتفق عملهم عليه من هذه القواعد، فتجد اختلافهم في ترجيح اختلاف كبار الأصحاب على الشيخ، لكنهم جميعًا على اتفاق في تقديم كبار الأصحاب على من سواهم في الشيخ.... وهكذا.
ثالثاً: لم أقف في الخلاف بين النقاد على خلاف سببه التعارض بين مدرسة التعليل ومدرسة ظاهر الإسناد والاغترار بحال الرواة، بينما وجدنا في مخالفة غيرهم لهم الاعتماد على ظاهر الإسناد، وحال الرواة، فتجد من يقول : "فلان ثقة، لا تضر مخالفته". وقس عليها.
رابعاً: لم أقف في الخلاف بين النقاد على خلاف سببه القول بقبول زيادة الثقة مطلقاً ولا في التطبيق، بينما وجدنا في خلاف غيرهم لهم قولهم: "وهذه زيادة ثقة، وهي مقبولة".
خامساً: لم أقف في الخلاف بين النقاد على خلاف سببه الشواهد، فلم يَرُد أحدهم تعليل الآخر بحجة وجود شواهد للمتن، ومخارج أخرى للرواية، بينما وجدنا في خلاف غيرهم رد تعليلات النقاد بالشواهد وتعدد المخارج، وهذا غالب ما تُرد بها تعليلات النقاد.
سادسا: لم أقف في الخلاف بين النقاد على خلاف سببه الشواهد المفرقة، أو الموقوف في حكم المرفوع الذي ترد به علة الرفع، بينما وجدناه عند غيرهم.
ثم يأتي من يريد بشتى الوسائل غير العلمية أن يقنع تارة، ويرهب أخرى، ويشتم ثالثة، ويتهم رابعة، أن لا فرق بين منهج النقاد ومن خالفهم، فالعبرة ليست في الزمان والمكان، لكنها النقاط المنهجية، والإجابة عليها فحسب، والحوار حولها مفتوح.
المصدر...