![]() |
![]() |
|
|
#1 | |
|
مدير ومالك المنتديان
![]() |
قُبضَ على مسلم و سيق إلى المحاكمة, و كان ثبات ذلك الرجل أمام هيئة المحكمة مدعاة إلى زيادة حفيظتهم عليه و المبالغة في تعذيبه.
أوقفَ أمام هيئة المحكمة فقال الرئيس لجنود (التفتيش): -ضعوا الحديد في أصابعه و قدموه إلينا..., ففعلوا. و لم يستطع ذلك المسكين الوقوف لشدة الألم فسقط مغشيا عليه, فقال الرئيس: -أوقفوه. فأجاب أحد الحراس: -إنه لا يقوى على الوقوف, فقال الرئيس: -إذن ضعوه في التابوت فإنه يقف فيه. فوضعوه في التابوت و هو صندوق مربع فيه مسامير من الداخل, فاضطر المُعذَّبُ أن يقف رغم ما به من إعياء و ضعف, ثم رفعوا الكمامة التي كانت على فمه ليتمكن من الإجابة عن الأسئلة. و عندما تنفس المسكين الصعداء طويلا , فأمر الرئيس بأن يسقوه قليلا من الخمر, فلما شرب قليلا منها تفتحت عيناه , و حدث لديه شيء من الانتعاش, و فحصه الطبيب حتى علمَ أنه قادر على الوقوف و الاستجواب فأبلغ ذلك هيئة المحكمة. فوجه إليه الرئيس الأسئلة التالية : -ما اسمك؟ -أنا مسلم مغربي - كلا, بل اذكر اسمك المسيحي الجديد -صموئيل فرناندس -إن صموئيل هذا اسم يهودي -لقد كان المسيح يهوديا أيضا -قل صدقا, كم عمرك؟ -ثلاث و ثلاثون سنة مثل عمر السيد المسيح. -إذن أنت مستعد للتضحية؟ -بإذن الله... -أتقبل ذلك و أنت راض؟ -نعم. -إذا قل : من هو إلاهك؟ -هو إلاهكم نفسه. - و ما اسمه؟ -الله...في سماء ملكوته. -بل قل معي: يسوع المسيح... فأجاب الرجل و هو يرتعد: -يسوع المسيح -يَظهرُ عليك أنك قد تأثرت من ذكر هذا الإسم؟ أليس كذلك؟ -أجل - و ما نوع ذلك التأثير؟ -تأثير داخلي -و ماذا قال لك هذا الصوت الداخلي؟ -لا أدري...فإني الآن لا أدري ماذا أقول. - قُل ما فكرت فيه بصوت مسموع. -لا أقدر على الكلام لأني متألم جدا من الضغط على صدري..., و الكلام لا يكون حسب الأمر بل حسب الاستطاعة. -ستنظر ذلك جيدا جدا, فنظر الكاتب إلى الرئيس مستفهما عما يقصد... فقال الرئيس: -أظن أن ضرب وجهه بالسوط يمكنه من الكلام. و سرعان ما جذبه أحد رجال التعذيب, و جعل يجلده على وجهه بجلدة سميكة مبللة بالماء..., فاحمر جلد وجهه, و كاد يخرج منه الدم, و جعل يتلوى من الألم, فقال له أحد الكهنة: -تعال يا صموئيل, تقدم و اعترف أمامي بكل خطاياك, و قل لي: بماذا تُفكرٌ الآن؟ قل الحق قبل أن يحل بك القصاص..تقدم يا بني...لقد كان اسمك محمد قبل اعتناقك المسيحية فلماذا سميت نفسك صموئيل و لم تختر اسم قديس كبطرس و بولس؟ ثم نظر إلى الكاتب و قال, اكتب: -أين وُلدت؟ -في طتجة. -أ إسباني أنت؟ -كنتُ إسبانيا - و لماذا تقول كنت؟ -أقول هذا لأني لست بإسباني لكي أظل إسبانيا إلى الأبد. - و أبوك؟ -ليس لي أب فإنه قد مات - و أمك؟ - ماتت أيضا - و أين ماتا؟ -في سجون ديوان التفتيش - أُحرِقاَ؟ - كلا بل تعذيبا حتى تهرأت أجسادهما...فماتا من شدة العذاب - و بماذا اتُهما؟ - لقد كانا بريئين -هل لك إخوة؟ -أظن ذلك -كيف تظن؟ أين إخوتك و أين يقيمون؟ -بل قلي أنت أولا, أين ماتوا و أين قبورهم؟ -يبدوا أنك تريد أن ينفد ثبرنا معك, فسنبدأ بتعذيبك. -يسوؤني هذا - إذن, أنت لا تريد أن تدلنا على البقية الباقية من إخوتك و لا عن مكان إقامتهم, إن الديوان المقدس لا يخفى عليه أن لك إخوة هم على قيد الحياة, و هم يصلون في مساجد خفية, ألا تعلم أين هم...؟ - لا أعلم - لما صدر الأمر بسجنهم هربوا...أفلا تعلم إلى أين؟ - كلا. -تذكر جيدا لعلك تعلم -كيف يمكنني أن أتذكر و أنا مضطرب الفكر ضائع العقل -يجب أن تساعدنا على معرفة مقرهم حتى نخلص نفوسهم. -على غرار ما ستفعلون معي الآن. -أنت تسكن مع امرأة...فمن تكون هذه؟ -زوجتي -كيف يمكنك ادعاء هذا؟ -هي تريد أن يكون الأمر كذلك -علمنا أنها مسيحية و أنت بهذا العمل تخالف آداب ديننا المسيحي و تنبذ العفاف, فيجب عليك أن تُسلم زوجك للديوان المقدس. -هل هذا هو العفاف و الدين عندكم؟ -نحن لا نجادلك بل نأمرك. -إذا كنتم تأمرونني فأولى بكم أن تقتلوني..., و هذا كل ما يمكن أن تفعلوه, و عندئذ سوف تُصلي زوجتي من أجلي. -ويلك يا شقي...ألا تزال مصرا على إنكارك؟ أصلح هفواتك و خطأك يا هذا و إلا فإنك سوف تدفع لعنادك ثمنا باهظا... و الآن فلنتم أعمالنا, قل لنا أين إخوتك و أين زوجتك؟ -هم في مكان أمين - ألا تريد أن تعترف بأكثر من هذا؟ -إني أعترف إلى الله خالقي فحسب...أنتم تعذبونني و الله يعلم أني بريء. -سوف تساق إلى التعذيب الآن فالأولى لك الإقرار. -لا يعنيني العذاب...فإن جسمي مخدر لا يشعر. -إذا لم تجب على ماسألناك الآن فسوف تُسقى الماء رغم أنفك, يُدفع إليك من خالفك حتى يُقضى عليك. -لقد احترقت رجلاي بناركم فلم أمت حتى الآن... فقال أحد القساوسة – و هو يتصنع الرقة و العطف عليه, بصوت متكلف: _اعلم يا بني أننا لا نرمي من وراء تعذيبك إلا إلى الاقرار عن بقية أهلك الذين تُحبهم و بذا تُنجي نفسك و نفوسهم, و نصعد بكم إلى السماء. -فأجاب الرجل: -إذا صعدنا نحن إلى السماء فمن يهوى بكم أنتم إلى الجحيم و بئس القرار؟ و عندئذ أشار أحد رؤساء المحكمة بيده إشارة سريعة إلى المعذِبين المرتدين الثياب السود, الواقفين أمام آلات التعذيب..., فهجموا عليه و أخذ البعض منهم يضع الحبال في يديه و صدره معا, و يلفها لفا, و آخرون ربطوا رجليه بحبل دقيق ثم وضعوه على مائدة أخاصة و أعادوا ربطه عليها ربطا وثيقا, و تقدم أحد هؤلاء المعذبين و هو يحمل جرة ملأى بالماء, و تقدم آخر و في يده قُمع, فقال الكاهن الموكل بوعظ الخاطئين, و الصلاة لأجلهم: -و الآن يا صموئيل لماذا تضطرنا يا بُني إلى تعذيبك و إحداث هذه الآلام لك ما دمت قادرا على الخلاص من هذا كله إذا ما قلت لنا أين إخوتك و أين زوجتك؟ -لا يمكنني أن أقول لكم أي شيء عنهم لأني قد وعدتهم و أقسمت لهم بأن لا أخونهم و أسلمهم لديوان التفتيش. فقال الكاهن: -ولكننا لا نعتقد أنهم يرضون لك هذا الحال و هذا العذاب الأليم..., إن هذا السكوت لا يُعدُ أمانة الآن بل يعد جنونا...قُل قبل أن يبدأ الرجل بتعذيبك... -إنني أشكر لكم إذا ما قتلتموني مرة واحدة. -دع عنك هذا العناد يا رجل, و اعلم أنك سوف تموت دون أن يعلموا بأنك مت فداءا لهم, و المحكمة سوف تقبض عليهم إن عاجلا أو آجلا فتكون قد مِتَّ من غير فائدة, و مع هذا فإن زوجتك هذه سوف تنساك لا محال و تتزوج سواك, و ربما تكون قد خانتك الآن... فصاح الرجل: -صه أيها النذل الحقير, و اعلم جيدا أن عذابكم لجسدي لا يعنيني قدر تعذيبكم بكلامكم هذا الذي تلفظه ألسنتكم القذرة السامة... و بكى الرجل و بدءوا بتعذيبه فكان صراخه يملأ القاعة, و لكن لي من مُنقِذ, بيد أن القسس كانوا وقوفا يُصلون و بيدهم كتبهم يرتلون منها... و بينما هم يعذبون المسكين على هذه الصورة سيقت سيدة أمام المحكمة و كانت رابطة الجأش, ذات شجاعة مدهشة, و نظر إليها رئيس المحكمة نظرات حادة, كلها الحقد و الغضب و الانتقام, و سألها: -ما اسمك...يا هذه’ - سوزانا فرناندس و سمع زوجها المعذب فأنَّ أنينا طويلا, و عرف أنهم قبضوا على زوجته, و أنها وقعت بين مخالب و أنياب أولئك الوحوش العٌتاة..., أما هي فلم تتمكن من معرفة الذي يُعذب, بسبب الظلام الدامس الذي كان يلف المكان, و لكنها عندما سمعت الأنين التفتت لترى من يئن, عندها بدأ رئيس المحكمة استجوابها و عيناه تقدحان شررا: -بنت من أنتِ؟ -لا أعلم. - ألا تعلمين من أبواك؟ -كلا, إنما رأيت ذات مرة رجلا مارا بحي "تريانا" فقالوا لي: هذا أبوك. -أهذا كل شيء؟ -نعم. -و ما اسم ذلك الرجل؟ -قيل لي إن له اسمين: الـأول: "الراهب" و الثاني: "الرجل المهيج". -و أمك من تكون؟ -هي أمي... - و أين هي؟ -ماتت. - و أين ماتت؟ هل سقطت في الوادي الكبير؟ - كلا بل قُتلت قتل العمد -و كيف كان هذا؟ -إنها ماتت جوعا في سجون ديوان التفتيش. - و أين كانت قبل أن تُسجن؟ -مع رجل من بقايا العرب, كان يمر ببابنا كل يوم, و قد عزم أخيرا على أن يسكن معها إلى الأبد, فسكن, و سأنظم أنا إليهما أنا أيضا... - و هل مات ذلك الرجل؟ - نعم قد مات في سجون ديوان التفتيش. - أكان مسيحيا؟؟ -لا أدري, و مع هذا فلم تسألونني عن المسيحية كثيرا؟ و ما هو دخل الدين المسيحي في ديوان التفتيش؟ و ما كادت السيد تُتمُ كلامها حتى بدأ رجال التعذيب في تعذيبها تعذيبا مخيفا تقشعرُ لذكره الأبدان. مقتطف من "مذابح و جرائم محاكم التفتيش في الأندلس" محمد علي قطب. الصفحة 122-130, المصدر... اثبت وجودك
..
|
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
|
|